![]()
بين الأزقة القديمة في الخويلدية كانت الشمس تسرح شعرها قبيل الغروب، تترك على شرفات البيوتات العتيقة ضحكاتها التي تشبه الظل، كنت وقتها ككل العصافير أخلق موعداً على كل غصن رطيب، أمني النفس بندى الذكريات التي لم أبتل بها طويلاً، بنشوة لم تورق لها الروح دائماً، أحمل في داخلي مجاديف السابحين لاكتشاف مكان هو كالمنسي في سفر النوارس، مكان لا يكشف إلا بمقدار ما يكتم من سيرته الأولى.
الطريق إلى داخل الازقة ضياع محتمل، خطاي الرتيبة لن تكفي لمشاكسة الدروب الضيقة، تتكاثر الدروب بلا نهاية وأنا ابحث ورفيقي منير عن طرف آخر للزقاق، من يمنح هذه الأزقة عناوينها، اتساءل وأنا اتسكع بين البيوتات الصغيرة التي تتمسح بالماضي لتحيا، نوافذها الرفيعة في شوق دائم لمنادمة آخر خيوط الشمس، للريح التي تستريح على باب الزقاق قبل أن تتناثر على وجوه المكان.
ستجئ النسائم في الزقاق محملة بأغاني الحزن والفرح، بدموع اللاطمات على الشهيد في صومعة الوجع، بأنوار الزينة التي تشبه حبل الغسيل لاحزان الحي، تلملم النسوة عباءتهن كل مساء لتقرأ الملاية عليها دواوين مكتوبة بخط اليد لسيدة الماء، لأم المصائب، وأم البنين، فيما ينفض الرجال بقايا التعب في زوايا الدكاكين، يكتبون على الدكة شكواهم من اتساع المدينة، كشكوى الحمائم من بنادق المتربصين في اتساع النخيل.
الرائحة هي دليل العابرين، تعرف سحنة الساكنين من نشيد القرنفل الذي يفيض بأسرار اطباقنا، بهجة الليمون العماني ساعة يطوق الأنوف، كانت البيوت روائح تحاور بعضها، تمطرنا بفرح الأطفال الصائمين ساعة الإفطار، باسطين كل أمنياتهم على اطراف الحمرة المشرقية، شممت هناك حبات الرز في مشاخيلها، رائحة استفاقت لها كل أواني الصبا، وصورة طفل يتعجل في اكتشاف الطعام، ينادم كل الروائح التي تشبه تعب الأمهات. ستختصر تلك الروائح لون الأواني التي ترحل كل مساء بين البيوتات في رمضان، ومعها وجه طفلة تحمل أوانيها و خطواتها باتجاه بيوت الجيران.
نحيلاً يبدو الزقاق الذي تهت فيه مرات، لكنه ممتلئ بالبيوت المتراصة، بالأسرار المؤجلة لزائر مجهول، بالأبواب العتيقة، بالأطفال الذين يكتبون سطور ذكرياتهم في الممرات، بالعربانات التي تمثل السبيل الوحيد لنقل الأغراض حيث لا كراجات ولامواقف سيارات، كل السيارات تستريح على الطرف البعيد من الزقاق، ليستريح الناس من زحام الدخان ولينعموا برائحة مفعمة بالمكان.
النشيد الوطني طابور صباحي لاطفال لم ينحسر عن اجفانهم طعم النعاس، خلف ياقاتهم البيضاء تصدح حناجرهم التي ما سخنت بعد باحلام الوطن وامانيه...يرتعش الحرف على طرف اللسان ويبوح الجمع بأول درس على سبورة الوطن، سارعي للمجد والعليا، ويسرع النشيد في شوقه للنهاية: عاش المليك...تأخر الهتاف للمليك في نشيد الوطن بعد ان كان مفتتح النشيد القديم، ليتقدم الهتاف للعلا والنور والسماء. لكل وطن نشيد، هو الدرس الأول الذي تلقننا اياه المدارس، هو الواجب الأول لصباح الطفولة، هو محاولتنا الأولى للقبض على معنى الوطن، ستبدو صورة الوطن من صورة النشيد، فرغم ضيق المسافة بين النشيد والآخر، إلا ان كل واحد منها يعلب الوطن على طريقته، ينشر احرفه على مرايا الناس، على صباحاتهم وعلى تاريخهم ايضا. فلو كنت طفلا ينحني للعلم المغربي لكان قدرك ان تهتف للثالوث :الله والوطن والملك قبل ان تسخن في روحك معنى الحرية والتضحية، ولو كنت سودانيا لانشغلت بتذكير العالم بالتحدي فهم يتحدون الموت بنشيدهم ويعلنون الاستعداد للتضحية، كما الحال في تونس التي يذكرنا نشيدها بقدرنا الدائم كلما كررنا "نموت نموت ليحيا الوطن" ، أما لو فتح الله نافذتك على مصر لاشغلتنا كل صباح بالتذكير بأنها ام البلاد ولها الفضل على كل العباد، أو ضيعك القدر لتكون من سوريا فستحمل شعار العروبة ابد الدهر. ستلملم اطراف الوطن لو كنت على تخوم الكويت حيث ينشغل النشيد بتمجيد الوطن، وسترفض المساومة عليه لو كنت لبنانيا يردد كل صباح " كلنا للوطن"، وستحلف بالحرية حين تسكن الروح في قطر، وستفتح باب قلبك لو كنت بحرينيا حيث يتناثر الكرم ويستريح السلام على حافة النشيد، وربما استمحت الوطن عذرا لو كنت عمانيا حيث الدعاء اولا للسلطان "يا ربنا احفظ لنا جلالة السلطان"، وكذلك في الاردن " عاش المليك عاش المليك". تلك الاناشيد التي تنتهي غالبا تحت قيمص الذكريات، سترسم للوطن شعاراته، احلامه ، اوهامه، نلملم بها عناوينا وشوارعنا التي تحلم بالعلا ، وهي المفردة التي تتكرر في اكثر الاناشيد الوطنية، تحلم بالعبور السريع الى المستقبل، الى التغيير الذي يأتي ولا يأتي، تحلم بالنور والزمن الأخضر، ليبقى النشيد الوطني في لحظة الغياب أول اوجاعنا. أثير علي
تبدو صغيرة بين يديك..تقلبها..تحرك مفاتيحها وكأنك تقلب في دفاتر التاريخ لهذا الجهاز الذي روض خيوط الضوء وجعل من استعادة لحظة هاربة في سياق الزمن أمراً ممكناً عبر صورة مربعة يتربع فيها اللون والظل وتكوينات الخطوط والاشكال. كانوا يصفونها بالصورة الساكنة، تمييزاً لها عن الصورة المتحركة ..غير أن هذا السكون لم يكن يوماً ما قدراً للصورة الفوتوغرافية، كانت دائما أقرب للحركة منها الى السكون، أقرب الى التحول منها الى الثبات، حركة لجهة انفتاحها ومرونتها، تبدل أشكال حضورها ووظائفها، بات كل شيء ذي صلة بالصورة الفوتوغرافية أدعى للتغير والتحول. هذه الصورة المأخوذة عن الواقع كانت صورة عن أحلام الانسان في ذات الوقت، أن يعاد توثيق الواقع بتفاصيله وتخزين تلك الثواني في سجلات للاجيال القادمة يعني أن يعيش الإنسان على تخوم الذاكرة، أن ينتقل اليها عبر معطيات الصورة الفوتوغرافية، هي الظلمة التي تستحيل ألوانا للرؤية وسطوحا للتذكر الطويل، إنها المعرفة في صيغتها الأحدث حيث تشكلت معها ثقافتنا البصرية. ما كان محسوباً على التفاعلات الكيميائية في الغرف المظلمة ترك تاريخه الطويل ليستقر في روزمة بكسلات قابلة للتحريك، طبقات متكاثرة قابلة للمحو و الاضافة، بعد أن دخل زمن البرامج الناعمة التي جعلت من تحولات الصورة شأناً لازماً، أو لنقل قدراً قائماً، فهي تقدم للصورة الفوتوغرافية حيوات متعددة بتعدد احتمالات التعديل في الصورة الأصل. هذا التحول الدائم في موقع الصورة لازمه تحول في طرق إدراكها وتفسيرها، تأويلها وتقييمها، لم تعرف الصورة الفوتوغرافية اجتهادات نقدية وتنظيرية بالمقدار الذي عرفته الفنون والآداب الاخرى غير أنها وباتساع دائرة الصورة وانماطها عبر قنوات الميديا الحديثة جلبت اليها الكثير من الضوء الذي مازال يجد في المسير باتجاه تأطير هذه الاشكال الفنية المستجدة باطر نظرية تساعد في سبر معانيها والكشف عن مبانيها. في هذا الحراك الطويل بدلت الصورة الفوتوغرافية موقعها في معركة الانتساب الى الفن، لا يمكن لأحد ان يرجع الحال الى نقطة السجال الاولى حول اهلية هذا النمط من التعبير للحاق بركب الفنون الجميلة، فقد ذهب التصوير أبعد من ذلك، أذ اصبح ملهماً لكثير من الفنون، وسببا في نشوء تجارب واتجاهات فنية أخرى، بل بدل أنماط ادراكنا لكل ما هو بصري، فكانت الصورة الفوتغرافية حافزًا لولادة عين قلقة متساءلة عن معنى النظر الى الاشياء، عن البعد التمثيلي في بنية الصورة الثابتة والمتحركة على السواء، لذلك انزاحت الصورة عن موقع التمثيل الايقوني الى ناحية التمثيل الاشاري في الدراسات الالسنية اللاحقة تدليلا على تحولات الفهم لهذا المعطى البصري الذي يحدث بنحو ميكانيكي بيد أنه ممتلئ بروح الإنسان وبصماته. لقد غدت نصاً مفتوحا على شهوة التأويل وانعاكسات الوعي الذاتي، فضاءاً اخضباً للحوار بين عين الرائي وسياقات الحدث الفني، فثمة مساحة متوارية خلف المرئي تجاوز حدود التأطير، ما يجعل من مهمة تأويل المعنى عملية استكشاف مستمرة فهي لا تكتفي ببعد ظاهر واحد وإنما تلامس عوالم الصورة التي تعيش حيوات متعددة بتعدد سياقاتها. وهكذا فإنه بين الصورة الكيميائية والصورة الرقمية ثمة تحولات جمالية وثقافية ومعرفية تؤكد تمدد الصورة في اتساع المشهد الإنساني، واتصالها بهاجس هذا الانسان واسئلته، كما تؤكد ديمومة التحول في مؤشرات الصورة على مختلف الاصعدة، وأنها على الدوام الأقرب الى الحلم منها الى الواقع، والى الشك منها الى اليقين، وأننا موعودون دائما بتعريف جديد لهذا الشيء الفريد والساحر. أثير السادة
الدمام في عين أمينها العام ضيف الله بن فارس بن عايش مدينة متهالكة و مختنقة .. هذا ما يقوله في حوار قريب للشرق الأوسط..فيه يحاول شفط الدهون الزائدة في رغي الناس وتذمرهم الدائم من احول هذه المدينة التي يراد لها يوما بعد يوم ان تعج بالفوضى، وتصبح صورة مصغرة من زحام القاهرة. أثير السادة
ضيف الله الذي تركنا ضيوفا على مشاريعة منذ تعيينه في منتصف 2005 يدرك جيدا كيف تنمو المدينة عمرانيا، وسياحيا، واقتصاديا، دون أن تجد ما يوازيها من المشاريع التحتية، منذ دخلنا ثقافة الكوبري والانفاق ونحن لا نرى نور الله يتسلل الى طرقات العابرين الى الجحيم، والشوارع الدائرية التي تشبه ألعاب البلاي ستيشن حيث يحاول اللاعبون فيها اجتياز الدائري دون الاصطدام بالقادمين من مختلف الجهات، لعبة يومية فيها رابحون وخاسرون.
حين نسمع تصريحات الأمين لا نعرف تحديدا من تهالك قبل الآخر هل هي المدينة أم المشاريع، هل الشوارع التي انهارت أم وعود الأمين التي لا تكف عن تذكيرنا بأننا على موعد للخروج من متاهة الحلزون، وتحويل الدمام الى باريس مكررة، فهو مشغول في نشرات الأخبار بافتتاح الحدائق والمنتزهات بينما يغرق الناس في بحر من الشتائم داخل الشوارع المختنقة لأنهم لا يعلمون متى يصلون الى مكاتبهم، بيوتهم، مواقع النزهة، ولا يعلمون أي مفاجآت تنتظرهم ساعة يعلقون في دوامة الزحام.
امانة الأمين مشغولة ايضا بافتتاح الانفاق واغلاقها، بات النفق الأول جزء من حكايا ألف ليلة وليلة، شهرزاد تطرز لشهريار فصولا من حكاية ضائعة بين اخطاء التصميم وتعثر وصول المواد الانشائية، نفق يساوي بضع انشات على مقياس الخياطين، لكنه تمدد على طول خمس سنوات ولازال عرضة للتمدد خمس سنين أخرى..لقد جاوزنا في العد ألف ليلة وليلة ونحن مازلنا على وعد التسعين يوما..الموضوع مو سهل..هذا ما توحي به تصريحات الأمين الشفاف والذي دعا من خلال موقع الامانة الى نشر صور يومية تصف حال الاعمال الجارية في النفق الموعود بداعي الشفافية وعدم وجود ما يخفيه على المتكدسين عند كل تحويلة نبيلة، غير أن مشكلة الأمين أن أهل داره لا يعيرونه اهتماما لذلك لم يلتزموا بالاقتراح.
قبل مائة عام بالتمام والكمال كان السلطان العثماني قد أكمل خط سكة حديد الحجاز، بعد ثماني سنوات من العمل المضني في الصحراء، سكة حديد جاوزت الألف وثلاثمائة كيلو متر وليس بضعة انشات، وكان المشروع يواجه مخاطر ومشاكل لا تشبه مشاكل تسرب المياة التي حولت النفق الى مخضة لبن، وجعلت من الاسفلت كالمعجون الذي يلهو به الأطفال...بعد الثمان ركب الحجاج وقلوبهم تهفهف لشدة الوله لزيارة الرسول الكريم ..من الشام الى الحجاز وليس من ادارة التعليم الى طرف استاد محمد بن فهد الرياضي!!
بانتظار أن يكمل النفق الذي يشبه صناعة مفاعل نووي ثماني سنوات من العمل قبل أن يصبح مكانا آمنا لعبور الناس ، ليس بسبب قطاع الطرق ولا زحف الرمال كما في طريق الحجاز ، وانما بسبب الاشياء الساقطة سهوا على الدوام من مشاريع الأمين، والداخلة سهوا من غير حساب ولا كتاب الى تلك المناقصات الطوال! ويا قلبي لا تحزن، فالدمام مدينة مهترئة !!
آخر مرة سافرت فيها بالقطار صحبني فيها وزير خارجيتنا الأمير سعود الفيصل، كنت عائدا من الرياض في زيارة تاريخية ، وتاريخيه هنا لأنها لا تحدث إلا مرة كل خمس أوربما عشر سنوات، أخترت أن أجرب هذا القطار الذي كثيراً ما نسمع عنه ولا نحظى بركوبه، نراه ولا نعرف ما فيه ومن فيه، اقتطعت تذكرة على درجة رحاب وهناك صادف أن رأيت الأمير على صفحات مجلة الدبلوماسي التي تمنح مجاناً لاولئك المسافرين الذين لا يجدون ضراً أن يدفعوا الكثير لينالوا بضع سنتيمترات زيادة تفصلهم عن الآخرين. لم يكن لي سابق عهد بالمجلة، لذلك حرصت على مطالعتها من الجلدة الى الجلدة كما يقال، بدت مجلة أنيقة في تبويباتها وألوانها وكل أفعال التنسيق التي كانت كافية لحمل القارئ على الاستمرار في تقليب صفحاتها..وجدت الأمير مشغولا بكتابة افتتاحية المجلة التي عرفت بعد طي الصفحة أنها تتبع وزراته مباشرة..كان ذلك في منتصف شهر مارس من العام الماضي وكان الحديث منصبا على مسئولية المجتمع الدولي الاخلاقية في الوقوف مع الشعب الفلسطيني ودعمه لنيل السلام مذكرا بعطايانا السخية وصناديقنا المفتوحة لأجل تنمية هذا الشعب. غادر الأمير مع انتهاء سطور الافتتاحية، وهناك بدأت فواصل من عناوين اخبارية سريعة، تبعتها ملفات ودراسات ومطالعات لا تخلو من الجدة والرصانة..الفلسفة والسياسة بين الفارابي وهيجل..الارهاب الرقمي..الأجندة السياسية لتغيير المناخ العالمي..التغيرات المناخية هل تصبح سببا للنزاعات السياسية..وأحاديث اخرى متنوعة تقترب من اجواء الادب كهواجس التعريب وحوار مع ابن المبارك شاعر هجر وتعرض لقضايا التربية ايضا. ما شغلني طيلة الوقت في هذا المشوار الطويل هو دراسة عن تطور مفهوم المواطنة في الفكر السياسي..ربما لن أجد حماسة لمطالعتها لولا الرغبة في تصريف الوقت..فصحافتنا المبجلة لم تبرح تتحدث عن المواطنة وتربطها بكل شيء...مثلها مثل الهوية..العولمة ....وباقي طلاسم المشهد الاعلامي عندنا...سيصبح كثرة الحديث عن المواطنة سببا في اضاعتها بين القبائل، فهي سفينة نوح كما يريد لها سليمان عبدالمنعم، وهي درس نقرأه في دفاتر الجنادرية على ما تقترح ثريا العريض، وهي المشاعر الفائضة للمواطن في العيد الوطني كما يحلم شتيوي الغيثي، وهي نقد السائد كأرقى صورها بمثل ما يقرر عبدالعزيز الصاعدي ، وهي المساواة التامة بين المواطنين كما ينظر يوسف مكي، وهي ايمان بالتعدد والشراكة كما في قول يحي الأمير، وهي المفاعلة والمشاركة في بناء الوطن كما عند سعود البلوي، وووو...هذه جردة حفنة روابط الكترونية وعليكم باقي الحساب. في مجلة الدبلوماسي كانت الدراسة المزبورة أكثر رصانة واكثر دقة ...دراسة لا كاتب لها، لكنها ذهبت بعيداً في التفتيش عن تمددات هذا المفهوم افقياً وعمودياً..همس الكاتب المجهول في أذني بصراحة حين قال: "ليس هنالك مجتمع مدني دون مواطنة، ولا مواطنة دون ديمقراطية حقيقية، ولا ديمقراطية حقيقية دون مواطنين بمعنى الكلمة، يمارسون وينظمون على اساسها علاقاتهم مع بعضهم بعضا من جهة، وعلاقاتهم مع الدولة من جهة أخرى"..تلفت يمينا ويسارا وتنفست بعمق وأنا اتهجى العبارات مرة بعد أخرى...تمنيت لو أن الأمير كان موجوداً معي في هذه الصفحة لاقترح عليه نقل خدمات المجلة من وزارة الخارجية الى وزارة الداخلية... تابعت القراءة..وصاحبنا الكاتب المجهول مازال يصف أحوال المواطنة في الفكر الغربي، ويتحدث عن المشوار الشاق الذي مر به المفهوم قبل ان يتبلور في صورته النهائية، وفي خاتمة الدراسة وضع سلماً للقراء ...يحددون من خلاله موقعهم من خارطة المواطنة...ذكرنا بأن هنالك مستويات من المواطنة..يعني اشياء تشبه درجات القطار السعودي..وهي تختلف باختلاف اشكال ممارسة السلطة..سأسرد لكم درجات السلم التي تختصر مفهوم المواطنة عملياً من عند صاحبنا الكاتب الذي لا يخفي نكده من النطنطة بين تلك السلالم لدى الانظمة الديكتاتورية 1- المستوى الاول: سلطة بقرار فردي 2- المستوى الثاني: اعلام الجمهور بالقرار دون أخذ رأيهم 3- المستوى الثالث :اسشارة الجمهور دون الأخذ برأيهم 4- المستوى الرابع: استشارتهم والاخذ برأيهم 5- المستوى الخامس: اشراكهم في مواجهة القضايا وحل المشاكل 6- السادس: وجود سلطة اتخاذ القرار في يد عامة المواطنين وفق آليات الديمقراطية وكما يجري في استفتاءات الفيس بوك وامتحانات الشخصية التي يبتكروها مرتادوه، يمكننا ان نختبر صورة الوطن على سلم المواطنة..ونحدد أي صورة يشبه...طبعا لن تكون صورة الوطن مقاس 6*4 كما يؤكد صالح الشيحي، لكن حتما هي صورة ملونة من اي مقاس كانت! والسلام
قبل ما يربو على عشر سنوات كان الصحافي السعودي داوود الشريان يتحدث من على منبر جمعية الثقافة والفنون بالدمام عن أحوال الصحافة فسأله احدهم عن رأيه في مبادرة قطر لالغاء الرقيب الاعلامي في مطلع 1996 وكان جوابه الذكي آنذاك...أننا لا نملك رقيباً من الأصل حتى نلغيه!، وقتها صفق الجمهور بحرارة عالية لأننا أحسن حالاً من قطر. في نهاية العام الماضي جعلت منظمة "مراسلون بلا حدود" السعودية على الطرف الأخير من سلم الحرية بترتيب هو 161 من اصل 173 دولة دخلت تحت هذا التصنيف وهذا يعني أننا في قاع المحيط وقد نحتاج الى رافعة لانتشالنا من جحيم الهاوية، فنحن أفضل حالاً فقط من الانظمة الشيوعية وأيران وارتيريا التي شاءت ان تركن الى ذيل القائمة. لسنا نزلاء في جهنم ولله الحمد كما يورد التقرير، لأن جهنم تبدأ من تركمانستان وكوريا الشمالية وواريتريا سالفة الذكر ، غير أن عافية الصحافة في هذا الوطن بحاجة الى مضادات حيوية، الى بكتيريا نافعة تضمن للمواطن حصته من كبسولات الاحتجاج. تقرير منظمة بيت الحرية أو فريدوم هاوس الصادر قبل يومين لا يختلف كثيرا عن التقرير المذكور آنفاً، فنحن نسكن في الطابق رقم 175 من بناية الحرية المكونة من 195 دولة، والتقرير يشير الى ان التدهور سمة بارزة في كل قارات العالم ، هناك تراجع في حرية الكلمة رغم اتساع الفضاء وتعدد الوسائل والادوات للتعبير. واليوم حيث يصادف اليوم العالمي لحرية الصحافة لا نجد من ينشغل في صحافتنا الكريمة بالتذكير بهذه التقارير ، وما تعنيه ، وما يلزم أن يصار اليه لمعالجة واقع الحريات الصحافية، ليس هنالك في صحف اليوم من تعليقات او مقالات او تحقيقات بهذا الخصوص، وكأن يوم الصحافة لا يعني أهلها، فقط جريدة الجزيرة حضرت جيدا لهذا اليوم بافتتاحية رئيس تحريرها التي اشارت في العنوان الى المناسبة وفي المضمون تحدثت عن احتفالية اليونسكو في الدوحة باليوم العالمي لحرية الصحافة وكيف أن محور الاحتفالية مأخوذ عن مبادرة الملك عبدالله لتعزيز العلاقة بين الشعوب!. حتى الاندية الادبية وجمعيات الثقافة وجدت نفسها غير معنية بالاحتفال او حتى الحديث في أمر الصحافة ، في حين اختار النادي الادبي بالاحساء ان يقدم لنا عوضا عن ذلك ندوة عن الامن الفكري لعميد كلية التدريب بجامعة الامير نايف للعلوم الامنية، والامن الفكري ملعب كبير يسع كل شيء ، وله قابلية ابتلاع كل شيء، وربما كان مظلة في معظم الاحيان لتكميم الافواه، ومصادرة الافكار. ليس في الوارد طبعا ان يعمد رئيس تحرير صحيفة سعودية الى الدعوة للتعاطي بجدية مع تقارير تلك المنظمات الدولية كما فعل رئيس تحرير الوسط البحرينية ، فرئيس التحرير أول متهم بحسب تلك التقارير لأنه يحول دون نشر ما لا يتوافق مع النظام الرسمي، لكننا كنا بانتظار بيان لهيئة الصحفيين السعوديين تذكرنا بتطلعاتها، وبحقوق المهنة ومزاوليها، ولو على طريقة جمعية الصحفيين في الكويت التي حمدت لله في بيانها على ما هي عليه من النعمة رغم انها بحسب التصنيفات المعلنة لازالت بحاجة الى عمليات قسطرة!. صحافتنا المحلية بحاجة الى توسيع الشعب الهوائية لتتنفس بارتياح ، الى فنتلين يسمح بدخول المزيد من الهواء اليها، زهيقا وزفيرا، حتى لا تستمر مشاكل الربو تحاصر عملية التنفس ، فحرية الصحافة كالهواء لا غنى للصحافة عنها، ودونها ليس هنالك سوى احتمالات الموت بالذبحة الصدرية والسلام. أثير السادة 
ورقة واحدة من روزنامة العمر تكفي لإختصار أول خطوة باتجاه الحياة، كان أبي يومها يبحث عن إسم لمولوده الرابع، تتسع قوائم الاسماء وتضيق ، لكنها من المؤكد لا تشتهي الخروج خارج الأسوار، ذاكرة العائلة ..ذاكرة المكان...كلاهما شريك في صناعة الاسماء عندنا..بين علي وعباس ومحمد وأحمد وحسن وحسين تتزاحم الوجوه والأنساب...سيضاف اليها عدنان وهاشم وعلوي وحيدر إذا ماكنت متصلاً في امتدادك بالبيت النبوي...الأسماء للتمييز، لكن هذا ليس كل شيء، فالأسماء ساحة للسياسة ايضا، للدين ، للوجاهة، لكل المدافع الثقيلة التي لا تهدأ في اجتماع الناس، لذلك يفر الناس في مدننا المسكونة بهواجس الانتماء الى تلك الأسماء دون سواها، وينأون عن تلك الاسماء المثقلة بأوجاع التاريخ . كنت بلا إسم ساعة الولادة..كانت أمي تنظر لي كحكاية لم تبدأ بعد...ربما كانت ترسم أحلاماً لأبن يشبه العباس..القاسم...السجاد...يشبه ذاكرة المآتم التي يأخذها الحنين اليها ساعة التعب...لكن الأب وحده معني بتعميد إبنه الجديد..كان منكباً في تفقد الاذاعات من مذياع سيارته وهو يقطع الطريق الى المشفى..نصف الطريق اغان وأخبار وحكايات وبعض هواجس والنصف الآخر دفاتر يقلبها في رأسه بحثاً عن حروف يهبها هذا الوافد لعالم النسيان. ما كان أبي شاعراً لكنه كان يقرأ...ولم يكن كاتباً...لكنه يحسن الخط...لذلك لم يكن في الوارد أن يبحث في أمهات الكتب والمعاجم وبديع اللغة عن إسم من خارج الزمان والمكان ...سبق أن اختار لأخي الاكبر إسم خليل جرياً على العادة في تسمية الاكبر من أبناء ابراهيم بخليل استذكاراً لذلك النبي العظيم..وجاء الثاني بعده حاملاً اسم زكريا، وهو إسم نبي أيضاً، فيما أختي ، الثالثة في الترتيب، أختاروا لها أن تكون سمية، امتناناً لأم عمار التي شاحت بوجهها عن وعود الجاهلية فكانت أول شهيدة في تاريخنا، ولعمار الذي سيعرف في ذاكرتنا كأحد الحواريين للإمام علي، وأكثرهم نبلاً وبأساً ساعة الشدة. أنا الرابض في القماط مذعورا أتوسل دمعي في مواجهة النور ، لم أكن على موعد مع الأنبياء في تلك الساعة، ولا الأولياء والصالحين، فقد اختار والدي أن يضعني في صفحة أخرى ، كأنها الوطن المنسي في اتساع الماء، أسم سيخبئ الحظ والتاريخ والاصدقاء خلف مراياه، سيحملني الى منطقة تصل بين الذكورة والانوثة حتى أعبر بها مراراً فوق جسور الالتباس.. ها هو مؤشر المذياع يستكمل خطواته على خارطة الاذاعات..في خطوه نصلٌ كافٍ لقطع الحيرة واختصار الدقائق الضائعة في مطاردة الاسماء والحروف في الذاكرة...سيقترح المذياع إسمي، بيتي الأول، صور الليل، جسور المعرفة، وباقي هواياتي القادمة ..أثير...أثير...يمر الأسم سريعاً أمام الأب الغارق في فنجان الصباح وسرعان ما سيُكتب من دون حبر المطابع...من ثقب تمثيلية اذاعية عراقية هبط الإسم ليرسم معالم الدرب الطويل... أفتح عيني ثانية.. أتجرأ للنظر في وجه جديد آخر...أنسى كل الصور التي عرفتها خلف زجاج الرحم الأول..أحضر نفسي للاختباء خلف عباءة أمي..وإسم ابي ..إسم واحد يكفي لتصبح أنت أنت...عليك أن تحب اسمك أولاً...قبل ان تخفق بحب الآخرين..قلبك بستان للأسماء..يتحرق لمزيد من الازهار فيه...يد تهدهدني ...أثير...قالت أمي وهي تحاول أن تزرعني " حرفاً مفتوناً فوق سحابةِ ضوءٍ"..أثير...قال أبي وهو يوشوش في أذني...مسكون بالفرح لهذا الإسم المنثور في أثير الاذاعة..يرسم في رأسه لوحات لرجل مذخور لزمن الشدات..لطفل يبحث عن دميته..شاب يتسكع بين احلامه...وأنا مازلت أحلم أن أكون مطراً في سمائهما. أثير السادة
لا يحتاج مثلي إلى التفتيش عن ذريعة لارتباطه بالعراق، فتلك الساحات المفروشة بالدموع التي شاطرتنا فصول الذكريات تكفي لجعل هذا البلد الحزين قبلة للمشاعر، للافكار، لكل الخطوات المتعثرة في اتجاهات الحياة. وإذا كان لا وطن للشمعة خارج ظلامها كما يقول عدنان الصائغ ، فإن من المؤكد أن لا وطن للدمعة خارج العراق ، فالعراق وطن الدموع ، لذلك يستحيل الوجع الكربلائي الغافي على أرصفتنا إلى شبابيك مفتوحة على اتساع ذلك الوطن، نتهجى صوره، وحروفه، نقبل فيه كل ركن يفيض بأحلام العابرين إلى البياض، وإلى القبب والمزارات التي تختصر أحلام أمهاتنا. وجدت العراق في كل شيء، في اسمي الذي اختطفه والدي من ضجيج الاذاعة ذات تمثيلية اذاعية عراقية، في قراءاتي، في اهتماماتي، في أغان الفرح والحزن ، وفي الممنوع والمباح من الأشياء، والأفكار، والأسماء، أستعيد كل ذلك لأقول أن افتراشي الطويل على باب المسرح العراقي ورجالاته طلبا للمعرفة لم يكن انفتاحا فقط على تجربة مهمة ولافتة على رقعة الوطن العربي، ولكنه يمثل لي اتصالا حميما بمكان كانت تصحبني كل تفاصيله منذ لحظات الطفولة وحتى اشتداد العود. قرأت للكثيرين في مسرح العراق قبل أن أعرفهم ، قرأت عنهم وهم يعبرون بأسئلة المسرح الحديث إلى منتهاها، استوقفني الكثير في شوط معرفي لم يكتمل، الكثير من الاسماء اللامعة ، رحت أبحث عنها في المكتبات ومتاهات النت، فكانت تلك القراءة بمثابة الحصانة ضد التصاوير الخاوية للمسرح ، ضد الخراب الذي يسوغ تحت يافطة الحلم ، كانت كافية لأبعد معها بمسافة على مستوى التذوق والنقد ، وعلى مستوى التطلعات حتى. قاسم محمد وسيرة النخلة والجيران هو أحد أولئك ..بل هو أول اولئك الذين خاطوا حكاياتهم المسرحية في هذه السيرة..كل الدراسات يومها كانت ترشدني اليه..كل الطرق كانت تؤدي اليه..كأحد المحطات البارزة في مشوار المسرح العراقي...تعثرت بإسمه مرارا وأنا أتجاوز السطور من تلك الصفحات... يحدث أن نلتقي على طاولة الملتقى المسرحي الخليجي الأول بالشارقة ...انكمشت كثيراً أمام حضوره الاسطوري في ذاكرتي...لكنه كان يعيد بتواضعه ترتيب هذه الصورة..يعفيني من التكلف بانفتاحه واصغائه لشاب لا زال يتهجى دروسه الأولى في النقد...مر الحديث يومها من أمام موضوعة مسرحة عاشوراء، حرصت على مد يدي على طاولة الحديث لأفتح النقاش أوسع بهذا الاتجاه...كان سعد الجزاف من البحرين يستعرض صوراً من التجارب الاولى للمسرح في البحرين...انقطع الحديث في الجلسة عن النقاش في تلك الموضوعة...لكنه استمر بعدها بيني وبين عدد من المشاركين...بوول شاؤول وعبدالاله عبدالقادر وقاسم محمد وآخرون. حدثني قاسم عن نصه المكتوب على هامش سيرة كربلاء "مساء التأمل"..نص من سبعينيات الرجل يجمع بين الحلاج وغيفارا والحسين...تمنيت عليه أن أحصل على نسخة منه ، وكان لي ما أردت، في وقت كنت مشغولا بالبحث عن نصوص في ذات الاتجاه...وقد عمد الصديق عباس الحايك إلى اعادة كتابة النص لينشر في شبكة الانترنت ايذانا باعادة الحياة اليه بعد غيابه الطويل في الارشيف. كانت تلك سيرة اللقاء الأول ، وفي سيرة اللقاء الأخير سنكون سوياً في حضرة فريد الدين العطار ومنطق الطير..جمعني به المهرجان المسرحي الخليجي الذي اقيم في البحرين قبل ثلاثة أعوام..كانت القاعة مكتضة بالحضور ..فيما كان قاسم ضوءاً خافتا لا يدركه أحد في ذلك الاحتشاد..حدثني طويلاً عن هيامه القديم ببيتر بروك، وعن أمانيه في أيام شبابه بلقاء ذلك الرجل..كان حميميا وهو يصف مشوار علاقته بمسرح بروك ومتابعاته لعروضه وأخباره، وكان أكثر ما توقف عنده هو منطق الطير...كتاباته ونصوصه لا تخفي ذلك الحس المتصوف عنده..لذلك تحدث بحرص عن منطق الطير، الكتاب الذي ألفه الصوفي الكبير فريد الدين العطار وكان يعد حلة ادبية فريدة في الادب الفارسي. مضت تلك الأيام ولم أتمكن سوى بالأمس من الحصول على هذا الكتاب.. نظرت اليه وابتسمت ..كان مغطى بالتراب في زحام مكتبة المتنبى بالدمام..لم يمر من امامه أحد..أو ربما لم يعرف بوجوده أحد..اقتنيته وأنا اتطلع لكي أرى روح قاسم محمد في سطوره...حالماً بلقاء آخر نكمل فيه منطق الطير...وحكايا الوالهين والغارقين في وادي العشق...الا أن قاسم سلك في دروب المنهمكين في نوم طويل...اشتاق إلى النهاية...تاركاً الكثير من اسئلته للطيور الأخرى في موقد الهموم. أثير السادة![]()
لهن ظلال تلتصق بالجدران ..تبحث عن مكان آمن من زعيق السيارات وركضها المجنون ..من خلف تلك الغشاوي السود يحدقن في اتساع الطريق ، طريق لم يتوقف العامل الآسيوي عن رفع الغبار عن وجهه الكئيب، ترفع النسوة عباءاتهن خجلاً وهن يجاوزن ما أجتمع من بقايا الماء فوق الرصيف ، تبصر من ورائها الثوب الهاشمي، سراويل كالحة اللون مذخرة لاحتفالات الدموع، وحقائب يجمعن فيها مناديل للبكاء في مصرع العباس، وبقايا عطايا أم البنين، ونظارة مقعرة يشاهدن بها ما تعرضه الشاشة من فصول الحزن الكربلائي في كل يوم. في المأتم يتسع التاريخ لنصوصهن ، لدفاتر القلب، لأزاهيرهن الذابلة في وجع الكهولة، هناك على شرفة الألم يستحيل كل شيء دمعة ، يصبح ذاك الغناء الحزين على زينب الحزينة،و شمعة الشبان، وقمر عدنان، والعريس جاسم ضياعاً في مرايا الذكريات، ومرارات الانكسار ، فهم يصدحون حين البكاء بما لا يخرج بين الشهيق والزفير من أنفاس محبوسة لا تغادر صدورهم إلا في انزلاق الدموع. لا تغادر الملاية مسرعة فوق السطور ، تمسك بكلتا يديها بكتاب المقتل ، لاتطفئ دمعة في لهيب المشاعر، وظيفتها أن توقظ كل شموع الحزن في زوايا المأتم، أن تحرس التماع الدمع في الأماقي، لتذوب في نهر الدموع كل عذابات عقارب الساعة..يتسارع نبض المكان، والعباءات السود تترنح بين الونة والونة...على الحد ترقص لفرط تفجعها، تلوذ النسوة بترديد النداءات...واحسين واحسين ..خلف العباءة ترقص الجراحات في نزيف المشهد الكربلائي..تعبر المسافات لتستعيد صورة القتيل..الملاية تصعد درجة أخرى على حبال صوتها..تخرج صوتاً يحض على المزيد من السخاء في نثر الدموع.."مقطوع الوتين" .."مرمل بالدماء" .."مقطع الاعضاء"..تتسع دائرة الواقفين للطلم..غابة من سواد تتدثر بغبار التاريخ في اشتهاء للانعتقاق من سيرتها الذاتية. يقترب المأتم من نهايته ، النسوة يمسحن دموعهن، فيما الأحاديث الجانبية تولد بعد انقطاع النياحة، يموج المأتم عندها بهدير الزحام والكلام المتشابك، لا شيء سوى ما تساقط من أوراقهم اليومية، وفناجيل القهوة ، وصوت المبربرين في قلم القدو، الذين يرسمون سحابة من دخان تغطي خطوات المغادرين باكرا من مجلسهم. وفي لحظة الرحيل سلامات طويلة، ألوان من الدعاء ، تحايا تطرز للمكان صِلاته الحميمة، تذكرهم ببقايا الصور التي يملكون، والاماكن التي يعرفون، والناس والشوارع التي يألفون، والشمس وقتها تشرف على الانصراف ، تاركة دربهم في امتداد العتمة التي تشاطرهم ما تبقى من سويعات المساء ، لتحبس العباءات السود دموعها لمشهد حزن قادم آخر. أثير السادة
مسرح المقهورين تجربة تفترق عن سواها من التجارب المسرحية باصرارها على اكتشاف الجوهر الاجتماعي والبيداغوجي والجمالي في آن معا لهذا الفعل الابداعي الذي استقر على صورة التقسيمات المألوفة بين عارضين ومتفرجين ، بين منصة عرض وصالة جمهور، بين ماض وحاضر، فيما ينشغل هذا المسرح في تكوينه الخاص بتأسيس علاقة شراكة جديدة ، شكلا من اشكال الاندماج بين الاثنين لأجل دفع المسرح ، وكذا الإنسان الى وظيفته الارقى وهي التغيير، تغيير الواقع، وليس التماهي معه كما ينشد المسرح السائد بتقاليده العتيدة. كان رائد التجربة اوغستو بول يرى في اشكال الفصل التي يتأسس عليها الفضاء الجمالي للمسرح التقليدي أكثر من مجرد تقسيم مكاني ومعماري، هو عزل للناس عن دائرة الفعل، عن ممارسة التغيير، عن ان يكونوا ناظرين ومنظورين في آن، ومسرح المقهورين يدفع باتجاه جعل المسرح مرآة تمكننا من التدخل لتعديل صورنا لا مجرد النظر اليها..خلاصة التجربة كانت في العمل على بناء تلك الصور وتركيبها، ترتيبها وابدالها، فالمقهورين بحسب بول يعمدون الى خلق صور عن واقعهم وثم يباشرون العيش في تلك الصور ، والمطلوب معاونة اولئك على التخلص من تلك الصور التي تطوق تفكيرهم، واحلامهم، وحياتهم، وتنتصب كمكرسات لحالات القهر. من هنا سعى الى اخراج المتفرجين من البقاء على هامش الفعل الى حيز الفعل الحقيقي، من خلال صيغة حلقة النقاش (مسرح المنتدى) التي عززت التشابك بين الممثلين والمتفرجين في انتاج العرض ، فالمسرح برأيه هو نحن ، لاننا جميعا ممثلون، ولأن المسرح ليس بحاجة الى جمهور ومنصة ، بل الى مؤدٍ ليكون قائما وموجودا.. وبهذا لن يكون المتفرجون جملة من المهمشين في قبال ممثلين ينعمون بانوار الاضاءة الاصطناعية ، بل سيغدون اكثر حرية في صياغة مشهدهم ، ينخرطون سويا مع الممثلين في اكتشاف مأزقهم المشترك ، وفهم واقعهم ، فثمة رهان على الوعي المتصاعد للمشاركين خلال مرحلة بناء العرض عبر تقنيات هذا المسرح. أننا مدعوون من خلال رسالة بول الى اكتشاف بدائل لاشكال الصراع التي نحياها في واقع اليوم ، أن نكف عن ممارسة افعال الفرجة السالبة، وأن نتذكر دائما أن المسرح حياة ، وأن الحياة مسرحنا جميعا ، نصوغها كيف نشاء، ساعة نريد ذلك ، وساعة نؤمن أن التغيير ضرورة وإمكان معاً ، حتى يصبح المسرح هو الآخر اداة تغيير للواقع الحاضر، وعرضاً منذورا لصناعة مستقبل اكثر اشراقاً، فمسرح المقهورين أولا وأخيراً-كما وصف بول ذات حوار- هو بروفة من اجل الحقيقة..انه يعني بالتحديد الاعداد لمحاولة تغيير الواقع بدلا من مراقبته والتفرج عليه.![]()
*** في وطني..يقف الناس على باب سقراط طمعاً في سندوتشات همبرغر، ويسألون الزهراء دلو بنزين ، ويطلبون من الصادق صحناً من الزر البخاري...سقراط الذي دوخ أثينا بأسئلته انتهى الى بوفيه تبيع لفائف الخبز في شوارع الخبر ، لم يكن يعلم أنه سيخرج من دفاتر التاريخ ليدخل في ورق الشورما والباذنجان ، كما لم يعلم الصادق أن بحر علمه الذي اغترف منه القريب والبعيد سيلحق بدروس طبخ الرز على الطريقة الافغانية، ولم يتنبأ أحد أن الزهراء التي انجبت الحسنين ستُرفع راية ترشد العابرين الى مضخات الوقود. لا تصبح الرموز وحدها موضعا للاستهلاك في الدعايات...بل حتى الفحولة باتت عنوانا لترويج البضائع في هذا المجتمع الذي لم يبرح مرحلة الحفاظ....حين تظلك اشارة حمراء في احد الشوارع ستسقط عينك حتماً على اعلان كتب عليه "للرجال فقط" ...ستنظر يميناً ويساراً خشية أن تبدي لك اللوحة ما الله مخفيه...فلا ترى وأنت تمعن النظر إلا قطعة همبورغر جعلت منها الاضاءة لحظة التصوير تضج بالحياة....قد تشك في رجولتك وأنت تشعر بالعجز عن اكتشاف دواعي الحصر في الاعلان...ستقول لعلها الهيئة تدخلت لوجود شبان يافعين في الاعلان قد كشفوا عن بياض أسنانهم، والأسنان عورة!....لانها بيضاء...او لعلها الهيئة خافت أن يزدحم الناس من جراء الاعلان على أبواب المطعم...فاختاروا طريق السلامة وهو ...للرجال فقط... لوحة قرمشني تعبر بك الجسر الى نهاية الطريق...الشابورة الغانج التي تتيح لآكلها أن يقترب منها حيث يشاء...قرمشني من فوق ومن تحت..إعلان جرى استبداله لاحقاً بعبارة"قرمشني كدا وكدا"....سيخبرك إعلان آخر أن السيارة الكبيرة اجمل...بينما دجاج الفروج يؤكد على أن صغير الحجم ألذ... شوارعنا مسكونة بأحوال الفحولة دائماً...ولولا ذلك لما دخلنا موسوعة غينيس بمعدلات الحوادث..كل فحولة تستوجب معركة على الطريق...المستفحلون كثر عند الإشارات الضوئية..يلصقون مقدمات سياراتهم بمؤخرتك..أعني مؤخرة سيارتك ..لن يقول لك أحد هيت لك حين تفتح الاشارة..بل سيسترسلون في الضغط على البوري ليخبروك أنهم يقظون أكثر منك..عجلون أكثر منك..متهيئون أفضل منك...وإذا كنت سعيد الحظ قد تشهد عناقاً جماعياً لسيارات اجتمعت فوق بعضها في منظر مخزٍ...ويبعث في أحيان على تذكر الآخرة...حوادث جماعية لا تشبه إلا معادلة يصعب تفكيكها ...وقبل أن تتنحنح من شدة وقعها عليك...ستبصر سيارة تخترق الجموع ، تميل ذات اليمين وذات الشمال، قبل أن تحاول خطف قبلة من سيارة أخرى...تقف الحركة في منتصف الشارع السريع...ينزل العامل الآسيوي من سيارته...يقف كالطاووس..فيما الرجل الآخر يعد انفاسه...واحسب أن هذا الاخير كان قد اخرج شيئاً من فحولته في الجولة الأولى...وهو الآن يستعد لاختبار فحولته في الثانية. أقفل راجعاً بعد أن أغلقت الارض أبوابها إيذاناً بقرب موعد الصلاة...نترك كل ما شاهدناه من صور دون تأويل..فم الشارع ممتلئ بالعابرين...وقائد السيارة التي تلينا مباشرة من الخلف لا يكف عن التلويح برغبة المرور...كان يتمتم بكلمات طيلة الوقت ...يبدو متأففا..وكنت اقول لزوجتي التي اعتادت منظر الزحام..أن الرجل الصالح ذا اللحية البارزة الذي بالخلف يرسل لنا الشتائم لأننا كنا سبباً في تأخيره عن أداء الصلاة في وقتها!!. تلك يوميات عابر طريق...بين الخبر ورأس تنورة..يوم واحد فقط..شاهدت فيه كل تلك الصور..وتلك المعارك...في وطن مازال ينتظر ..مازال تحت الطبع! أثير علي
في مشهد الثقافة المحلية ينتصف الطريق بين النادي الأدبي وجمعية الثقافة فتتناثر الأوراق في كل الاتجاهات....يتمدد النادي في زحام الشوارع بالدمام ليعلن اتصاله بالمدينة، وبالحداثة، وباقي الاشياء التي تذاكرها الاصدقاء في لحظة التغير حتى عبرت بنا من مرحلة الرز الى مرحلة الفطائر ، فالتمرين الأول على ملعب المدافعين عن الانتخابات انتهى الى صالة مسقوفة وشاشة للنقل الحي وقبو لظلال الشجر ساعة انكسار اشعة الشمس على اغضانها عند الغروب. ابتسم الشارع للنادي الادبي فحمله الى غواية التصويت، والترشيح، وتدوير الكراسي، فاتسع باب النادي للمسرح والسينما كما اتسع لتداعيات المشهد الثقافي وسجالاته، حتى كان الهاجس لما بعد التصويت هو تسجيل النقاط في دفاتر التغيير بعد ان كان النادي اريكة يستريح عليها من فرغت ارواحهم من الاسئلة وباتوا بانتظار ساعة الانصراف في كل مناسبة. دخل النادي في اوهام المرايا المقعرة، سيتوهم حتى نعاس العابرين فوق تلك الكراسي الفارغة من تلك المساءات صحوة تكفي للبقاء في صخب الأحلام التي لونت وجوه المسندين ظهورهم على وعود الثقافة الجديدة ، ظل السقف منخفضا كما هي القاعة المسقوفة، لا يحتمل وقوفا عند حافة العناوين الصريحة للشفافية والديمقراطية وحقوق الانسان ، ولا مطاولة لتوازنات القوى التي توجه المشهد السياسي والثقافي والاجتماعي في هذا الوطن. وبخلاف الاندية الادبية التي تم سوقها للعبة الترشيحات، مازالت شؤون الثقافة تدار في جمعيات الثقافة والفنون على طريقة "صدر قرار بتكليف" ، فكل فراغ اداري يجري شغله بقرار رسمي ، حين يفرك المسؤول عينيه قبل ان ينظر الى قائمة الترشيح التي تتشابه في مرآيا الوزارة، وتشير كالبوصلة دائما الى اتجاه واحد... باتجاه الوسط الذي كلما ضقنا به اتسع ، وكلما افرطنا في نقده تكرش وارتفع. هذه الجمعيات تبدو آيلة للسقوط والتلاشي بفعل تشظيها الى تجمعات صغيرة تتلحف بعناوينها الخاصة ، الا انها تبقى نافذة مفتوحة على ارث الوصاية القديمة ، عنوانا لاستمرار الرتابة في ممارساتنا الثقافية، لضيق الابواب والنوافذ ، وللتذكير ان لا قانون جامع للثقافة، الا ما تفرضه ادعاءات التغيير التدريجي ، ومقولات الخصوصية ، وباقي مسوغات التخدير الثقافي ، وترحيل المشاريع الثقافية الجادة عن هذا المشهد. واذا لم يكن هنالك من استقالات مسببة ثقافيا حتى الآن في مؤسسات الثقافة المحلية كما يرى العباس ، فهل هناك في المقابل تعيينات معللة ثقافيا لدى صانع القرار الرسمي بالرياض!. تعالوا ننتظر صدور قرار بتكليف آخر لنتراهن!![]()
وطني الذي هجاني في درس التوحيد وأخرجني عنوة من حصص التاريخ أخاف ان يسوقني بضاعة مزجاة في سوق المتاجرين بالشعارات الوطنية ممن لبسوا ستراتهم الرسمية ساعة الكتابة، فراحوا يرسمون الوطن على مقاسهم وأرسلوني فيما تبقى إلى سلة المهملات، أو سلة الجيران!. أخاف من اليسار واليمين والوسط، فكلما حرك حسن نصر الله عمامته استداروا لي يسألونني ان كانت ساعة المنبة ليلة البارحة كانت مؤقته على خطاباته، وإن كنت ساعتها متبرما أو باسما أو نائما، تاركين لي خطوطهم الحمر على شفتي كي لا ينتهي الجواب إلى خيبة للوطن الذي كثيرا ما أرسلوه للحلاق!.. يختلفون معظم الوقت فيما بينهم، لكنهم يتفقون في لحظة نادرة على قص لساني، وعلى حرماني من لذة الزفير، فأنا باختصار مواطن حمله الوطن كرهاً ووضعه كرهاً وتبناه كرهاً لولا بصمات أصابعه على براميل النفط الغافية بالجوار منه. حنجرتي التي رددت أناشيد الوطن زمنا طويلا في طوابير الصباح، تحت لهيب الشمس وتحت زخات المطر، لن تسعفني كثيراً في حراج الأوسمة الوطنية الذي يقوده كتاب الأعمدة في صحائف الوطن الخضراء والصفراء والبيضاء.. لن تكفيني في صراخ الإذاعات التي جعلت مني حية تسعى، جملا بلا سنام، وهلالاً لا يشبه العيد، ولا يبعث السرور في وجه الوطن.. حتى رؤوس النخيل وحبات الرمل وزبد الشاطئ الذي نادمته صبياً لن يجدي في منحي الحق للرقص على وقع أغاني الوطن!. أخاف أن يملني وطني لكثرة ما ذكرته بأني حملته يافطة في ساعة الرخاء والشدة، وتوسدته في سكينة الليل وجعلت منه ثوبا يسترني، فيما هو ينسى كل أسباب خوفه في غمرة الخوف لأبقى خوفه الأول والأخير، ويبقى كلانا يخاف الآخر، ووقتئذ لن املك من خارطة الوطن إلا الخوف لأسكنه ويسكنني! 
أخاف أن يتركني وحيدا لذئاب تعوي كلما ارتفع السعار القومي في المنطقة وأمطرت سحائب الصيف السياسي مطرا طائفيا، فهناك تصبح الرؤية معدومة، وتصبح خطوة واحدة نحو الاختلاف تعادل جريمة شرف، أو هتكاً للإجماع الوطني الذي لا يحتاج إلى مخاضات للولادة، فهو موجود بالقوة ولا يقبل القسمة أو الطرح إلا في قضايا الاختناقات المرورية.
أخاف ان انتهي مسرحية حزينة بلا تشويق على يد رجال مافتئوا يكنسون صورتي ضمن حملات النظافة العامة التي ترى فيَّ كائنا مقطوعا عن الإيمان، هذا الإيمان الذي لا ينبغي له أن ينام إلا على أرصفتهم، ولا يمر إلا بشوارعهم، لذلك قد يسار بي إلى اختبار لتصحيح النظر في غرف ضيقة لا مقبض لأبوابها، فهي مفتوحة على اتساع القانون الذي صيرني مجرما مسكوتا عنه حتى إشعار آخر.
يقال إن بيتنا القديم كان يطل على البحر، بل كان البحر يستريح في بعض أحوال المد في داخله، لم يكن قصرا مطلا على الشاطئ بالطبع، وإنما واحدا من الشهود على تبدل ذلك الماء المالح إلى يابسة يسكنها الناس.. وفي ذلك الحي الصغير الذي تعشقنا الركض فيه صبيانا كانت النجوم تضيء ليلاً لبيوت اغتسلت بماء البحر نهاراً.. وتلونت بخضرة النخيل التي كانت سمة المدينة قبل أن يغدر بها طوفان الاسمنت، وتستحيل أرصفة متشابكة لبيوت أدارت وجوهها إلى الخلف. كان الهواء في ليل هذا الحي يفيض بحكايات وأساطير ترسم حدودا لفرادة المكان، حكايات عن عبدالعين الذي يتربص بالعابرين من أليمة في ساعة العتمة، وعن إبراهيم السبع الذي ينظر إلى ما وراء الأشياء فيكشف ما استتر عن عيون الناس، وعن عبدعلي الذي جعل السماء رقاص ساعة يهبه الوقت والمواعيد، وعن الذين اصطفوا مبكرا في طوابير الانتماء الحزبي للبعث، ومثلهم ممن هرعوا إلى رقعة التدين والخلايا النائمة في زحام النضال السياسي بعد أن كانوا شهودا على هوامش الموسيقى والغناء في هذا الحي الذي لم تتبدل رغبته في أن يختصر المدينة بين ثناياه. يتعقبك هدير الهتافات في هذا الحي الذي تركت كل التيارات تواقيعها على أطراف شوارعه، تتراءى في محطات الذاكرة صور الأخباريين الذين ضاق بهم التاريخ وأصبحوا بقايا معركة قديمة، الشيرازيين في فورة حماسهم الثوري، البعثيين في محنتهم أيام الحرب العراقية الإيرانية، جماعة الإمام في انتظام فعلهم الثقافي، وسجالات ولاية الفقيه، محطات أوشكت أن تنقضي فصولها، لكنها ظلت كالشظايا في ذاكرة الحي الذي غدا دواراً كبيرا لحسينيات ترسم لوحة الحزن والفرح على جدرانه. ذلك الحي الذي يصمه الشامتون بأهل الكوفة صار يبحث له عن صورة تشبه كربلاء، يفاخر برايات الحزن التي ينشرها على جدرانه في مواسم الحزن، بمجسم يحاكي المشرعة وصور الضحايا وسهام الغدر وحتى الضريح الذي بات يتطوفن به النسوة في مواسم عاشوراء.. لم يتبق من حكايات الحي غير شعارات منذورة لدموع العابرين بساحاته ساعة لا يرف في المكان سوى أذرع اللاطمين على صدورهم، وبقايا حنين لانجذابات التلاقي في الأزقة القديمة والدكاكين الصغيرة التي حوت أجيالا بين زواياها. ![]()
أنا مشدود إلى تلك الوجوه المحشوة بالتفاصيل.. إلى الباعة الجائلين في الظهيرة.. العجائز المتدثرين بصمتهم.. الساكنين بأحاديثهم على الأرصفة.. والهامسين إلى الشارع برغبات اللعب.. تتسع العدسة لكل أولئك الذين لا يظلهم شجر.. ولا تحتويهم إذاعة.. ولا يشغلهم هدير السيارات العابرة. أبصر في فسحة الضوء تقاسيم الحزن والفرح، أمنيات الناس وأوجاعهم، وربما هذا سر خصام البعض منهم مع وميض الكاميرا، يخافون ان يفضح حدس الصورة المخبوء من تداعيات الروح، ما كتبته السنون على صفحة الوجه من قصائد حزينة مسكونة بالخوف من الآتي.. سيخفق قلب البعض مرات؛ لأنه سيكتشف مع استدارة العدسة انه لم يعد قادرا على اصطناع ابتسامة مترفة، وسيتذكر البعض الآخر ما ذبل من غصنه في ليل المحطات الطويلة، لن يحب فكرة الخلود الهش الذي تعد به الصورة، وقد يغلق حديقة أحزانه دون أن يخطف الضوء منها شيئا للذكرى. ما يتبقى بعد مغادرة تلك الأمكنة حفنة من ضوء لا تكفي لاحتضان ما تساقط من مشاعرهم، وما خرج عن صمتهم من دقائق وثوان ترنو للبوح عن صباحاتها المتعبة، أنحني معها في كل مرة لأختار ركنا يفيض بالماء، ويفيض بما تنشد إليه الروح في تلويحة الكاميرا، ليمشي الضوء حيث يتسع المدى لصوغ صور ترسم لوحة منا على وجوه الآخرين.![]()
بلا موعد أطارد الوجوه في شوارعنا، أجوب الأزقة بحثاً عن آخر خيوط الضوء الساقط على العابرين في تلك الدروب الضيقة، لا شيء يطفئ فضول الكاميرا سوى التسلل إلى تلك التعابير الشاردة في عيون الناس، إلى اليابس والرطب من ملاحمهم، وأعرف ساعتها كيف تضطرب عضلات وجه الواحد منهم حين تدير الكاميرا وجهها صوبه، هناك أنسى هذا المتسع من الضوء وأبحث عن ظل ابتسامة تقطع الطريق على ارتباكات هؤلاء الناس، أصافحهم بطمأنينة، فيما هم يراقبونني بحذر خشية أن تفتح الصورة بابهم الموصد!.
حين التقيت شريعتي..![]()
بين الكتب تتجول عينا مراهق يتأبط كل أحلام الثوار، عليه غبار هادي المدرسي وحسن الصفار وفي ذاكرته وعود 73 شمعة.. لا يلتفت إلى اشتعال جسده الغر، فالتدين الذي حمله عنوانا وهو يبدأ الطريق إلى الحياة جعله لا يبصر إلا المآذن والعمائم ومهرجانات الدموع.. يبحث عن مراهقته بين طيات الكتب.. كانت المكتبة خليطا من دين وسياسة وتاريخ وأدب.. تتجاور فوق الرفوف حروف ميكيافيلي ومحمد الشيرازي وميخائيل نعيمة وجورج طرابيشي ومطهري و...هكذا بلا اتفاق تلتقي تلك الأصوات المتناثرة.. وتسكن تلك العوالم على رصيف واحد.. وهكذا تختزل صورة قارئ لم تتشكل هويته بعد.. مزاجه مفتوح على اتساع ألوان الحبر..
تحدثه نفس أن يرفع الغبار عن كتيبات عليها عوالق ماكنة التصوير، حفنة أوراق تحمل اسماً لا ينام على تلك الرفوف، سأبصر معها وجهاً غائباً خلف حبر الطباعة، وخلف تجاعيد الورق الذي يطبع كالمنشورات الممنوعة، كان ذلك وجه علي شريعتي، وكانت تلك الغواية الأجمل التي ستوقظ فيه فتنة السؤال، والبحث عن رف آخر من الكتب يشبهني ويشبه شريعتي في حماسته لحمل الدين في قطار الأدلجة.
بعدها أصبحت كل الرفوف مثقلة بالحنين للمختلف، للغائب عن شفاه التائهين في أزقة التدين، أبحث عن رفي المفقود في انطفاء المصابيح، رف لا ينتظم كقصيدة، ولا يرتفع كغصن الرمان، لكنه يبوح بحكايات العاشقين للمعرفة، للذين فتحوا شبابيكهم باتجاه الريح، وربما باتجاه قذائف الموجفين من ارتياد مناطق السؤال.
مازال الرف خليطاً كما كان في بداياته يلعب دور الوسيط بين كل الأفكار والأصوات، غير أنه اتسع أكثر لاستفزازات النقد، وأصحاب الأصوات الحادة، وبات لا يحمل عنوان أحد، سوى هذا الكائن المتشظي الذي يتموضع في منتصف الطريق، قبل أن يشيد نصه الخاص، ويتجاوز حدود المتن التي ترسمها سلطة القراءات التوفيقية.
لم تكن الصورة لتتأخر عن دورها الوسائطي في تحويل المكان إلى أثر جمالي، عبر عيون فوتوغرافيي الإحساء الذين باتت مهمتهم إيجاد صياغات بصرية قادرة على التماهي و الصورة المقترحة للمكان والإحالة على سماته الجمالية المحتملة، بالإفادة من تقنيات التصوير التي ليس من سبيل لإنكار فعلها في هندسة الأحاسيس والتحكم في مدلولات الصورة، كانت الصورة بالتحديد الطريق الأكثر مادية للوصول إلى الإحساء المتخيلة فهي تختزل بين أضلاع إطارها المربع شريطاً طويلاً من حكايا المدينة وتحولاتها، في لحظة تحتفي فيها العين بما تحب من مشاهد المكان لتجعله في دائرة الحضور الدائم. صور الفنان عبدالعزيز البقشي تبدو أكثر تلك الصور صراحة في التبشير بهذه العلاقة التي تدفع ناحية تخطي الواقع إلى الحلم كلما حملت ومضات الكاميرا في ظلالها مقتضيات الرهان في هذا السباق، فهي تجهد لتلمس احتمالات المكان الجمالية التي ستتكئ في وجودها غالبا على حساسيته الفنية وقدرته على التوغل في أبعاد المنظر الطبيعي وتأسيسه جمالياً ودلالياً، فبناء الصورة المتأني عند البقشي يمثل إسهاما فوتوغرافيا في تصعيد الإحساس بجماليات المكانــ وجعله مادة قابلة للإدراك والمعايشة. في الصورة المرفقة ببطاقة الإحساء في موقع المسابقة الرسمي يختار البقشي تقديم الواحة في لقطة يلتقي فيها الأفق الوسيع بأعمدة جبل قارة الممتدة إلى طرف القرية في مقدمة الصورة وغابات النخيل الكثيفة في الطرف الآخر مفيداً في ذلك من إمكانات عدسة عين السمكة التي تقترب من عين الإنسان في مجال إبصارها، هي لقطة تحمل في داخلها هاجس استيعاب الطبيعة في تشكيلها الفريد وامتدادها التاريخي، تحاول أن تمارس فعل التحفيز لاستقصاء إشارات التاريخ في جغرافيا لم تستنزف كل أسرارها بعد, لتغدو الصورة أشد الأشياء تماهياً والشكل المقترح لصورة المكان في سياق المسابقة. وتمثل صورته الفائزة بجائزة المركز الثاني في المهرجان العربي الأوربي في ألمانيا 2006 تأويلاً لتجليات الأخضر والأزرق في فضاء المدينة، ومزيجا من بهجة الألوان التي لا ينبغي إغفال دلالة الماء المتدفق من النبع والرغبة في استثماره للتعبير عن سريان الحياة في هذه الواحة الموعودة، وهنا يستمر البقشي في التأكيد على الشموخ والارتفاع كمائز لمفردات هذا المكان،باستحضار الطول الفارع للنخيل وتعزيزه عبر منظوره الفني المقترح، ما يمثل في سياق المشهد واحداً من معطياته الجمالية، وعنصراً معمقاً لدلالته الفنية. *ينشر بالتزامن مع مجلة الاعلام والاتصال - العدد 125 - غرة ذوالقعدة 1429هـ



إذا كانت التكنولوجيا قد نجحت في ترك النوافذ مشرعة بين اطراف هذا العالم ، كما نجحت في جعل الإنسان يمضي لاستئناس الحياة الكترونياً عبر وجودات افتراضية متممة لوجوده اليومي وذلك بتحويل مسرح الانترنت الى مسرح حياة ممكنة يشارك فيها الآخرين طرائق عيشهم ، فان الإنسان قد اندفع معها إلى التواري -في شيء من الدفاع عن خصوصيته المهددة- خلف رموز وأسماء تحول دون وصول الآخرين الى تفاصيل عالمه الخاص، وتشبع رغبته في ايجاد نوافذ وابواب موصدة تصون له مجاله الشخصي ضمن هذا الفضاء العام.
وعلى غرار مغارة علي بابا وافتح يا سمسم بات لكل واحد منا مغاراته الشخصية التي لا يطال اسرارها أحد ما دامت كلمات السر المربوطة بها ليست محل تداول ولا مشاركة، لتبقى عصية على الوصول وبعيدة عن المنال..كلمات قد لا تحمل معنــــــى ولا قيمة إلا بمقدار قدرتها على كتم السر وصيانة الطابع الشخصي لتلك المساحات الافتراضية، فهي تنال مبررها وجودها من فعل التعمية على خلاف صورة الكلمة الاعتيادية التي يراد بها الوصف و الكشف.
لو عددت كلمات السر التي تستخدمها في حياتك اليومية ، ابتداءاً من جهاز الكمبيوتر والبريد الإلكتروني وانتهاءاً ببطاقاتك المصرفية لاكتشفت بأنك كائن ينزع للتشفير بحثاً عن مزيد من تلك الخصوصية التي تبدو هذه الأرقام والكلمات السرية المتكدسة هي المظهر اللصيق بها ، فهذه الشفرات والعلامات ليست سوى إشارة الى ذلك السلوك المتنامي الذي توالد عن قلق الانكشاف واختزال هذا الوجود المستقل في سيادة وسائط الاتصال الحديثة التي خلقت لنا خرافة الاستقلالية والتماهي في آن وهي ترسم فضاءاتنا الجديدة.
لذلك ستغدو الخصوصية السؤال الأكثر إلحاحاً في سياق التطورات التقنية، سنرى برامج وعصابات شاغلها انتهاك الخصوصيات وتجريد المعلومات السرية من سريتها وفي مقابلها تقنيات وطرائق تجهد للحد من فاعليتها، وتبقى متانة أي موقع أو جهاز أو شبكة في قدرتها على الصمود إلى ما لا نهاية ، فيما يمضي الناس لاستشفاف معائب التقنية الرقمية والاحتراز في اختيار كلمات السر التي تصبح أكثر صعوبة كلما تعددت نظراً لمحدودية وهشاشة الذاكرة قصيرة المدى في استعادة التراكيب العشوائية من المعلومات، الأمر الذي يحرض البعض على اختيار أشياء أشد حضوراً في الذهن كتاريخ الميلاد ورقم الجوال وخلافه ، أو حتى كتابتها على الورق او تخزينها ما يمثل مخاطرة في حد ذاته.
وقضية غوغل التي تشهدها المحاكم هذه الأيام حول طلبات الكشف عن بيانات المشتركين في موقع يوتيوب الشهير تبدو المثال الأبرز على هذه اللحظة من الارتباك التي تعيشها الشؤون التقنية من أجل تحديد المساحة الممكنة وغير الممكنة من الخصوصية، فكل ما يتم رصده من معلومات المشتركين قابل لأن يصبح ضمن منطقة المتاح و المتداول، وليس من ضمانة سوى الثقة التي يصعب التفاؤل بمستقبلها رغم ادعاء الكثير من المواقع حرصهم على تعزيزها.
وباختصار سيبقى الكائن البشري ممسكاً بكل أسراره، مدفوعاً نحو المزيد من التشفير حتى لا ينتهي وجوده الشخصي الى عدم على مذبح التكنولوجيا، فهو يقبل على اغراءتها بكثير من الحب وكثير من الخوف، خشية أن يخسر شيئاً من مغاراته الخاصة في عالم موسوم بالفضول.
أثير السادة
يقف السعداوي اليوم بما تبقى من شعره الابيض ولحيته الكثة على منصة أحلامه التي أزهرت باكرا لكنها لا تزال على حافة الارتواء، يستيقظ كل صباح دون أن يهتف باسم احد، وهو يقطع الطريق إلى التقاعد ليطوي سنوات العمل التي بدأت منذ الطفولة، فيما يصّعد الأصدقاء والمريدون من أصواتهم باتجاه طلب التفريغ الذي حين استطال وأصبح أشبه بالمحال أُفرغ من قيمته ومعناه، وأصبح ربما جزءا من سيرة الوجع التي يحياها مبدع بقامة قديس كالسعداوي، مبدع يملك الأفق غير أنه لا يملك حظاً يصافحه ليخرج من متاهة الإلحاح على التفريغ. 
الخميـس 05 شعبـان 1429 هـ 7 اغسطس 2008 العدد 10845
جريدة الشرق الاوسط
يحتل المخرج المسرحي البحريني عبد الله السعداوي موقعاً بارزاً على خارطة الابداع المسرحي عربياً، باعتباره واحداً من ابرز المشتغلين على تطوير الخطاب المسرحي في المنطقة، عبر أعماله الكثيرة التي حازت تقديراً واهتماماً داخل البحرين وخارجها، كما نالت نصيباً من الجوائز في المهرجانات والملتقيات المسرحية.
وكان المثقفون البحرينيون قد قادوا في السنوات الأخيرة حملة يطالبون فيها بـ(تفريغ) السعداوي ابداعياً، قدمت فيها عرائض وطلبات، ونشرت لأجلها مقالات وملفات صحافية، غير أن شيئا من ذلك لم يحصل، رغم تعاقب عدد من وزراء الاعلام في البحرين خلال هذه المدة.
الذين سطروا مقالاتهم في الدفاع عن حق عبد الله السعداوي في التفرغ رسمياً للإبداع، كانوا ينتظرون قراراً يحفظ لقلب هذا الرجل بعض احلامه التي فاضت بها تجاربه المسرحية الخارجة عن خطوط المسرح المستقيمة، بحثا عن سعة التعرجات التي تعرفها مديات التجريب. فكان أن عانقت خيوط الضوء مرات ومرات وهي تنتهك الساكن والجامد في لغة المسرح وأدواته، لتصبح الممارسة بحد ذاتها فعل هدم وبناء وثيق الصلة بهذه المواجهة المستمرة بين ذاته كمخرج وبين سؤال المسرح الذي لا يستقر على رصيف!.
كل الذي أرادوه من كتاباتهم وعرائضهم أن يعبر هذا الرجل بأسئلته إلى جهة المسرح بكثير من الحرية، قبل أن يصير هذا الركض اليومي باتجاه لقمة العيش أفكاره وأحلامه رمادا، أن يتمدد كمبدع حر، لا تخنقه الحاجة على خارطة المسرح التي تآكلت هي الأخرى من جراء شيخوخة المسرحيين المبكرة، وتساقطهم أمام مغريات التلفزيون، وهم في كل ذلك يدركون الحضور النوعي لتجربة السعداوي ضمن أفق العمل المسرحي العربي.
محطات عدة مر بها السعداوي في مسيرته المسرحية، وفي مقدمتها الامارات التي تنحاز لها ذاكرته الممتلئة بالتحولات، وذلك منذ أن وصلها شاباً في نهاية السبعينات. التقى السعداوي هناك بالفنان العراقي الراحل ابراهيم جلال، واستمر في ملازمته طيلة مدة اقامته التي بلغت ست سنوات، ملازمة فتحت آفاق المسرح عند السعداوي على مدى اوسع فأنتجت معرفة جديدة ومغايرة للمسرح، اسست لكل ملامح المرحلة التي تبعت هذه التجربة كما أعانت في خروج السعداوي من تصوراته وصورته القديمة.
لم تكن «الكمامة» التي نال عنها جائزة افضل اخراج في مهرجان القاهرة التجربيي 1994 بداية الحكاية، فقد سبقتها عروض أخرى، غير أنها التي اخرجته من دائرة النسيان، ودفعت بمزيد من الضوء ناحية الصواري، المختبر المسرحي الجديد الذي جمع تلك الوجوه البحرينية الشابة ممن تفتحت عيونها على معطيات التجريب، وسعت إلى إيقاظ الرغبة في البحث عن الأشكال المغايرة للمسرح.. في هذا المفصل التاريخي تحديدا ارتفعت في المشهد المسرحي صارية المشغولين بصناعة الأسئلة وباتت الصواري مظلة لأولئك الساعين إلى خلخلة الصور المألوفة عن البناء المسرحي.
تُحدثنا ذاكرة المسرح في البحرين بكثير من الاحتفاء عن عروضه الأهم مع الصواري: سكوريال، الكمامة، والقربان، قبل أن نطالعه في تجاربه الأخيرة : الكارثة، ابني المتعصب ومتروشكا، عروض كانت تمضي بنا إلى طقوس السعداوي المفتوحة على شهية التجريب، في لعبة مسرحية لا يرتخي فيها جفن المشاهد وهو يحمل حيرته بين كفيه حين يبصر المسرح خارج صورته النمطية، وقريباً من حده الأدنى، فلا شيء عند السعداوي يعادل في تعقيداته سؤال المسرح الذي يدعي ذات حوار بأنه لا يعرف ما المسرح لذلك «يجرب ويخون المسرح» كسبيل لاعادة بعثه من جديد!.
حينما تم الإعلان عن تأسيس جمعية للمسرحيين السعوديين كانت الأصوات المستبشرة بهذه الولادة ترى في هذه الاجراء التنظيمي خطوة باتجاه تحقيق الاستقلالية، أي الاستقلال الإداري والمالي للنشاط المسرحي في السعودية، بمعنى أن يتوفر للمسرح جهاز خاص، يديره أهله وناسه، بدلاً من أشكال التنظيم الثقافي الحالية التي تجمع كل الفنون والآداب إلى عباءة المسئول في الجهاز أو المؤسسة الثقافية الرسمية، سواء كان النادي الادبي، أو جمعية الثقافة. لم يتبين بعد ما حقيقة هذه الاستقلالية وما قيمتها، غير أن اللافت في هذا الحدث هو الإشارة المتكررة إلى هذه المسألة من قبل المسرحيين أنفسهم في ما نشر وينشر من تعليقات، ضمن عنوانين بارزين تم التأكيد عليهما: الشرعية والاستقلالية، فالمسرحيون كما يوردون قد وجدوا في إقرار الجمعية اعترافاً بشرعية وجودهم بعد أن كانوا شتاتاً بين هذه المؤسسة وتلك...وهكذا تحول الوصف المرصود للجمعية كجهة غير نفعية ومستقلة الموارد في اللائحة التنظيمية، إلى عنوان لآمال وتطلعات هؤلاء المسرحيين للعمل المسرحي برمته وليس عمل الجمعية فقط. ثمة شاغل جماعي اذن يتعلق بشأن العلاقة بين المسرح والأجهزة الرسمية يمكن أن نلمس بعض تجلياته في هذا المشهد، هاجس كان يطل برأسه في غير مناسبة، ويدفع المسرحيين للامتعاض من بيروقراطية الجهاز الرسمي، ومسؤوليته في تذبذب الحركة المسرحية، بل في مراوحتها في مساحات ضيقة، بسبب ضيق اليد وضيق الأفق الذي تدار به العملية المسرحية برمتها. كانت جمعية الثقافة والفنون بفروعها المتوزعة على خارطة الوطن، وعلى إختلاف أمزجة المسئولين فيها، تمارس دور تثبيت الأمر الواقع، الذي يجعل من المسرح محشوراً في زاوية المناسبات ومبرمجاً وفق رزنامة المهرجانات الداخلية والخارجية، حتى النوافذ الصغيرة التي أطلت منها تجمعات مسرحية موسمية جادة تسربت إليها أعراف وتقاليد هذه المؤسسة العتيدة، فأصبحت شواهد على قدرة المؤسسة على تذويب المبادرات وصياغتها وفق آلية الإنتاج التقليدية بدلاً من أن تكون الدليل على أن ستائر المسرح القديمة قابلة للطيء!. الإرتباط بجمعية المسرحيين اليوم لا يمثل بالضرورة انقطاعاً عن إشكاليات المؤسسات السابقة، فالمشكلة لا تنحصر في الوجوه والمباني والعناوين، فثمة نسق مؤسساتي مهيمن يتحكم في بنية العمل الثقافي، فقد تغادر المؤسسة وتبقى اعرافها. لا ينبغي أن يكون هذا القفز بالعناوين من خانة إلى أخرى سبباً للتواطؤ على تغييب البعد الجوهري لسؤال الاستقلالية الذي لم نصغِ اليه كما ينبغي، أو على أقل تقدير لم نتمثله في حواراتنا وتصوراتنا لحال المسرح في مرحلته المقبلة. هذا الإلحاح في مطاولة عنوان الاستقلالية يحرضه القلق على روح المسرح من الإرادات القاهرة لفكرة الإبداع في هذا المجال، أو المتحيزة للحساسية الرسمية في صناعة الثقافة، وكل ما يمكن أن يمثل وصاية على حياة المسرح خارج الاشتراطات الفنية والاعتبارات الجمالية، وكل ما يتهدد شكل علاقته بالناس وقضايا الشارع اليومية، واحتياجاته الجمالية..هي محاولة لتجاوز أفق العمل الموشوم بمبالغات الخوف، وتلاوين الشروح الهامشية التي تجعل من المسرح رديفاً للتحريض أو عنواناً للدعة!. لكن موضوع الاستقلالية كما أراه ليس له وجهة واحدة، فلا يمكن حصره بين هلالي الرغبة في الخلاص من بيروقراطية الاجهزة الرسمية، وضواغط الموازنات السنوية، هذه مسائل إجرائية قد لا تبدل الكثير في معادلة الانتاج الفني، وأن بدت لهجة المسرحيين أكثر اعتناء بها. ثمة قلق جمالي يختزل الجزء المشطور من سؤال الاستقلالية، وينفتح على كل تداعيات الوجود المسرحي في هذا العالم، قلق يوقظه الخوف على صورة المسرح، على قدرته في أن يكون ما يريد أن يكونه، أن يختار وجهته الجمالية والفكرية، وان يتمثل سيرة الفن في اتساعها الإنساني. أن يكون المسرح مستقلاً، يعني أن يكون حراً، يملك خياراته الخاصة، خطابه الخاص، جمهوره الخاص، يملك حرية المضي بعكس إملاءات السوق، وخارج التأطيرات التي تفرضها مشارط السلطة بوجوهها المتعددة، السياسي والديني والاجتماعي، ليختبر استحقاقاته تبعاً لهذا الهامش الذي يتأسس بإرادة الباحثين عن قيمة الفن بما هو محاولة للقبض على الجمال في هذا العالم، لا بتشوفات المتعطلين على حافة الإنتظار، ممن رسموا مسرحهم في الهواء، وركضوا باتجاه كهنوت السوق ليصنعوا لهم مالك من ورق. حياة المسرح تتأتى من هذا الأفق المفتوح الذي يصيره المبدع مضماراً للخيال، وفسحة للخلق الابداعي، في لحظة تماسه بذلك الجوهري والانساني من الصور والتعبيرات والمواقف التي يصار إلى إختبار تمثلاتها المسرحية والتي لا تفترض مجرد المحاكاة، بل تشدد على قدرتها في كسر صرامة الواقع، وإعادة انتاج الحقيقة وفق الاشتراطات الجمالية. وفق هذا التصور يمكن مقاربة الكثير من التجارب المتجاوزة لتقاليد المؤسسة المسرحية في العالم، بإعتبارها وعياً مضاداً لمعيارية هذه المؤسسات، حيث انفتحت نافذة المسرح على حساسيات فنية جديدة خلال القرن الفائت كان الجامع بينها التبرم من نمطية العمل المسرحي، والمؤطرات الصارمة لهذه الممارسة، فيما ترمي بالدرجة الأولى إلى الإستقلال عن سلطة هذا الخطاب المؤسساتي بإعادة اختبار الكثير من المفاهيم المسرحية واكتشاف جماليات المسرح البديل. هذه سمة المسرح الذي لا يخشى مواجهة "المقاعد الخالية" على حد وصف بيتر بروك، فهو لا يرتهن في وجوده إلى شبابيك التذاكر، ولا يراهن على اكتمال صفوف الجمهور، بل على انفتاحه على تجليات السؤال الجمالي في هذا المختبر الإنساني الواسع، في الوقت الذي يدفع فيه المسرح إلى السوق بوصفه سلعة يراد لها التموضع فوق منحى العرض والطلب، لتمتزج لغة المال بلغة المسرح، وتصبح الموازنات مرة أخرى ضاغطا على اتجاهات العمل المسرحي، وتصبح الممارسة برمتها تحت وصاية المال!. الذين خرجوا من دكاكين الثقافة الرسمية، والغرف المستأجرة لثقافة لا يسعها المكان، وجدوا أنفسهم سلعة في سوق تجار الفن الذين باتوا يصنعون مزاجنا الفني، ويصوغون فضاءً مسرحياً مشروطاً بتمطلبات قوى السوق، الأمر الذي يفسر هذا التوالد العجيب لفرق ومجموعات مسرحية لا تعبأ بالمسرح كفعل واع وحر بقدر انشغالها بالوصول إلى امتيازات المال في هذا المشهد المتنامي. فوق أرفف ملاك الملاهي والمجمعات التجارية، تجتمع اليوم أحلام النفر الهارب من الإحساس المفرط بالضيق داخل مؤسسات الفن والثقافة، تجهد لإيجاد مساحة أوسع لتحقيق حضورها الفني، والتخفف من شواغل التمويل، غير أن هذا النضال الموصوف ينتهي غالباً إلى حالة من حالات التناقض التي تجعل من الإبداع صيغة معادة الإنتاج لصالح السوق، وليس العكس. المؤسسة خانقة، والسوق لا تولد إلا صوراً مسرحية زائفة، هذا ما كانت ترويه لنا التجارب الطليعية، ونزعات التجريب، وهذا ما بشرت به الأصوات المسرحية التي روجت لأفكار المسرح المستقل، والمسرح الحر، والمسرح البديل في العالم، وهذا ما أشار إليه المسرحيون السعوديون بسبباتهم فقط دون البوح به على وجه الدقة، لأن الاحتراز في ذاته هو الحد الفاصل بين الاتصال والانفصال عن هذا النسق المؤسساتي المهيمن على مناخ المسرح محلياً. *ينشر بالتزامن مع مجلة الاعلام والاتصال - العدد 120 - غرة جمادى الآخرة 1429هـ.
هناك في هذا الوطن الممتد من هو مشغول بترسيم خطوط طول وعرض للساحة الثقافية، فكل ملاحة فوق هذه الرقعة ينبغي أن تكون صوب القبلة، والقبلة هي بكسر القاف لا بضمها، لأن في ضمها دعوة للانحلال والخروج عن جادة الصواب، وليست القبلة في عرف المتشددين وصفاً لاتجاه الصلاة، بل لاتجاه الحياة كما ترسمه أحلام الساكنين على ضفاف التاريخ، والماسكين بطرف الأشياء خشية السقوط مع هبوب أي ريح. أولئك الذين اطالوا وقصروا، وجمعوا وبعثروا أحلام الوطن تحت يافطة الصحوة لا يعيشون اليوم إلا قلق الخروج عن نصهم المكتوب في خرائب الهزيمة، قلق يحرضه احتراق اوراقهم الصفراء في اتساع الحقيقة، وزحام المسافرين بإتجاه الشوارع التي تضيؤها قناديل السؤال المغموس بالحرية. تجدهم يحصون للناس انفاسهم، ضحكاتهم، خف قلوبهم حتى لا يتعرى ذلك الحلم الذابل بارتفاع الشمس في الأفق. إختاروا أن يروا الأشياء بعين نص مفتوحة، وعقل نصف مغلق، يبصرون ولا يبصرون، يقرأون ولا يقرأون، يختصرون مواقفهم تجاه كل جديد بزفير طويل، وسبابة عجلى تطفئ كل شعلة تلامس الحنين للحرية، لطفولة الأشياء، للأمنيات الهاربات من دفاتر الرقيب، ولأن الثقافة أثنى ينبغي لها أن تكون ملفوفة بسواتر، محشورة بين الأسود والأسود، حتى لا يفضحها ويفضحنا الخيط الأبيض من الفجر. خروج الثقافة عن عباءاتهم في حد ذاته تبرج، لذلك ترتجف قلوبهم أذا ما سمعوا همس المموسيقى، أو عاينوا ظلال الصورة السينمائية وهي تتغنج على أرصفة المدينة، تبحث عن موئل بعد طول إنتظار، عن خندق تتحصن به في استراحة الدقائق الهاربات، يريدون لها أن تعود إلى بيت الطاعة، إلى كهولتها المبكرة، حنى لا تؤول احلامهم بلا وطن. من هنا يبدو الممر المؤدي إلى ثقافة السينما ضيقاً جداً في هذا الوطن، فالتجارب التي شاركت في مسابقة أفلام سعودية ما كانت تفطع مسافة جمالية في عدوها في هذا الاتجاه بقدر ما كانت تختبر قدرتها على العبور، بل على الوقوف في وطن بلا سينما. سيحتضنهم التاريخ بقوة لأجل ذلك فقط، لأجل أنهم لوحوا للناس بأفلاهم قبل أن تحملهم اصوات المتشددين على الغياب، لأجل أنهم صرحوا بأنهم كباقي البشر يحبون الصورة في تلونها ودورانها، في صدقها ونميمتها، في تسكعها على أرصفة القضايا والهموم اليومية. المتشددون من فرط خصومتهم مع السينما يحبسون أنفاسهم ساعة يقرأون خبراً عن إقامة عرض سينمائي، يمسكون قناني الحبر ليكتبوا احتجاجاً، تهديداً، أو يرسموا شارعاً يوصلهم إلى مكتب المسؤول خشية أن تشنقهم الصورة، او تصيبهم الموسيقى بشظاياها. وجدتهم بالأمس يتـأرجحون في قاعة العرض بجمعية الثقافة والدمام كلما أطل وجه الموسيقى، وما أكثر الموسيقى وأقل الصورة في تلك العروض، تتصلب سيقانهم وهم يغدون ويروحون بحثاً عن مسؤول يتدحرجون معه على سلم الإيقاع. كل هذا الضجر من بدعة السينما يحال اليوم إلى مشاغبات الموسيقى، الذريعة الأكثر رخصاً، هذا ما حدثتنا به الصحافة في أخبارها بالأمس، وهي تروي قصة إلغاء فيلم "مطر" لعبدالله العياف بعد أن كان مقرراً عرضه في النادي الأدبي بالأحساء، حادثة تحكي عن ذلك الخوف الذي لا ينام، خوف من الصورة السينمائية وخوف من المعارضين لها، ثمة خوف متبادل تمتد مساحاته بامتداد حياد الدولة التي تفضل النظر إلى المشهد من وراء زجاج النافذة.!. ويبقى الحضور الأمني المكثف لتأمين عرض الفيلم الهندي "الظلام" في أدبي حائل الإشارة الأبلغ على قدر السينما في أن تبقى على تخوم المواجهة قبل إرساء اي شكل من اشكال العلاقة الرسمية مع الثقافة المحلية التي مازالت تقترب من هذا الوافد المتأخر بكثير من التردد والحذر، في وقت لم يعد فيه الفيلم السينمائي منذوراً للسهرة فقط، بل بات حدثاً يجري في كل وقت!. أثير السادة
تتمتع عروض المسرح على اختلاف أغراضها وتعدد أشكالها بعناصر جذب للمصورين الذين سيجدون فيها أشياء تجاوز مجرد متعة الفرجة التي يشاطرهم فيها الآخرون، لتوصلهم بلحظات ابداعية ملهمة هي بمثابة المختبر الحي للتصوير ، حيث المعمار المسرحي والإداء الجسدي والمؤثرات البصرية وباقي المفردات المسرحية التي تمثل الفارق الجمالي لهذه الصناعة الفنية. وتمثل العروض النوعية أو ما يصطلح عليه عموماً بالعروض التجريبية او الطليعية الوجه الأكثر إغراءاً في هذا المجال لانشغالها الدائم باكتشاف مساحات جديدة للعلاقة ما بين تلك العناصر ، ومحاولة تطوير أشكال حضورها الفني ، ضمن تصورات جمالية تُنشّط الإحساس بخصوبة المسرح وعلاقته الجدلية بالواقع والحياة. وكانت الاضاءة دائماً واحدة من العناصر المتحولة في الصناعة المسرحية، وأكثرها تجسيداً لهذا الهاجس الجمالي الذي ارتبط بتطور مفهوم السينوغرفيا ، والمتصل بالبعد التشكيلي في البناء المشهدي، فهي السبيل لاكتشاف حرارة الألوان، روح الظلال، حياة الأشياء، وبلاغة التشكيل، وهي تملك بث كودات نفسية، اجتماعية، زمانية ومكانية في نسيج العرض، فاللعب بالاضاءة هو لعب بالاحساس بكل تلك الاشياء التي تستعير من انعاكسات الضوء دلالتها. لذلك ستتبدل وظيفة الاضاءة وتتعدد مصادرها وألوانها بحسب الرؤية الاخراجية التي يعمد المخرج/السينوغرافي الى تنفيذها بالتعاون مع مصمم الاضاءة، وستتجاوز الاضاءة وظيفتها النفعية اليومية الى وظيفة درامية جديدة متصلة بسياق الاحداث وطبيعة الصراع بين شخوص العرض، ومن هنا قد يصبح السؤال الجمالي في صناعة الضوء عند المسرحي مختلفاً عن قرينه الفوتوغرافي الذي يتعين عليه دائماً الاقتراب من العمل المسرحي من داخله، ليقتنص من لحظاته ومشاهده ما يحفظ للصورة قيمتها التوثيقية ، ويهبه صوراً فائضة بالجمال على حد سواء. سيبدو التصوير المسرحي وفقاً لذلك عملية متأنية يتابع فيها المصور تحولات اللحظة المسرحية بكل ما فيها من زخم درامي، ويراقب فيها تلك العلاقة التراكبية بين عناصر العمل ، ما يجعل الفرجة في ذاتها فرجة مضاعفة ، من أجل الخلوص الى تكوينات بصرية من منظور فوتوغرافي، أي انها تنتمي في شرط وجودها الى خبرة المتلقي/المصور عوضاً عن المسرحي/المخرج، وهذا مايمنحنا في بعض الأحيان صوراً ضوئية لم تكن في حسبان مخرج العمل ولا في مجال ادراك المتلقي المتابع للعرض في لحظات جريانه. ولعل محاولة نقل الفعل الحي من آنيته الى حالة الصورة الفوتوغرافية الساكنة التي تفترض حالة ماضوية يضع المصور أمام اشكال جوهري يتعلق بقوة الصورة وقدرتها على التمثيل، ويفتح الشكوك تجاه القيمة التوثيقية للصورة بما هي منتوج لعملية مركبة من الابصار والادراك والتذوق، وبالتالي يثير الاسئلة حول وظيفة الصورة المسرحية وقيمتها الفنية، فما يجري هنا هو محاولة للتأسيس على قواعد الصورة وجمالياتها في مقابل جماليات المسرح وطقوسه، التي وان تواشجت مع معطيات التشكيل إلا انها تبقى أكثر ارتباطاً برهافة جسد الممثل الذي يحدد طبيعة استجاباته وفق ايقاع اللحظة المسرحية. يبقى هذا التشابك بين الحركة والضوء في المشهد المسرحي سبباً لامتداد الحياة في الصورة المسرحية التي ستستعيض عن صمت الصورة ببلاغة الفعل وبلاغة اللون معاً،والرهان هنا هو في قدرة الكاميرا على الحفاظ على التفاصيل الضرورية لهذا المشهد، وملاحظة شروط التمرئي التي تصوغ حقائق العمل المسرحي، وتدفقه بالحياة، من خلال مساحة زمنية ومكانية مقدرة بكل ما فيها من مفردات وتحركات وانفعالات. في هذه المساحة يمكن لعدسة الكاميرا ان تقبض على دراما الاشياء والوجوه، أن تتعقبها في لحظات التوتر الدرامي وتصاعد وتيرة الصراع بين المؤدين، أن تتذوق المشهد في انبساطه وانقباضه، فثمة طاقة تعبيرية ثاوية في سياق الأحداث التي قد يلزم المصور التعرف على بعض تفاصيلها قبل المشاهدة عبر أفراد العمل ليتخير موقعه من مكان العرض، ويتهئ لمهمة التصوير بما يلزم من العدسات والإعدادات الخاصة، في وقت لا يحتمل فيه العرض التوقف او التكرار!. * ينشر بالتزامن مع مجلة الزاوية- العدد الخامس - مايو 2008 
ما بين هسهسة الموسيقى وتراتيل الضوء الخافت يتسمر المتفرج ساعة الفرجة داخل صالة العرض، مسنداً ظهره ويديه للكرسي الأحمر، فيما يستغرق ذهنه في تتبع العرض في فصوله وأحداثه، موعوداً بارتحال في فضاء الجمال، وفضاء المواجهة مع واقعه المشحون بألوان التعب. يحدث كل شيء تحت مرأى منه ومسمع، لكنه لا يرى الكثير، فمهندس الإضاءة قد عمد إلى جعل المساحة الأوسع من العرض قرينة العتمة ، وبقع الضوء المسافرة على عجل بين حدود الركح، وتلك الحزمة من الألوان.. التي لا تكف عن اختبار قدرة المتفرج على الإحساس بوجودها، وكأنها اختبارات العش الليلي وعمى الألوان. لا يضيء لنا الطريق إلى مبتغى العرض وغايته سوى الحرف، بضع تمتمات وهذيانات، وجمل منقوعة في ماء الشعر، هي الناظم لإيقاع العرض ، بل هي العرض في انتظامه اللغوي الذي نبحث عن لحظه استحالته مشهدا بصريا فلا نقبض إلا على صمت الفراغ، وثقل الأجساد، وشفاه تركض فوق سطور النص. يتمدد المتفرج في استرخائه، يغادر الزمان والمكان، ويسرح في أخيلة بعيدة، فتنكمش فرص إمساكه بشيء من خيوط العرض ، مع تراخي الأحداث ، وذبول الشخصيات، وموت الإيقاع الذي لا يجد له محفزاً درامياً يحرضه على دوزنة الأحداث.. وحدها قيمة الاسترخاء تكبر في هكذا عروض، فيما تصغر كل معاني المسرح، حيث يصبح الوقت المنذور لصناعة الفرجة المسرحية فسحة لمقاربة طقوس الاسترخاء ، ولذة الانغماس في لعبة الكلمات المتقاطعة، بعد أن أضاعت العروض بوصلتها، وتجردت من مقوماتها الفنية، فأصبحت تشبه أشياء كثيرة إلا المسرح. أثير السادة
محاولة اولى للفهم (1) كثيرا ما يراودني السؤال عن اسباب تردد النص المحلي في مطاولة القضايا الاكثر راهنية في الساحة المحلية ، على ما فيها من قابلية على التصعيد دراميا ، وعلى ما في هكذا نصوص من قدرة على التأثير في سياق المواقف والافكار ، وانصراف الكتاب الى الانشغال بما يوصف بالقضايا المركزية ، وفي مقدمتها الاحتلال والتغريب والمؤامرة.
يخيم الكتاب المسرحيون غالبا في حيز الهم الاجتماعي ، واذا ما غادروه قليلا في لحظة صحو فكري تسربلوا بعتمة اللفظ وتدثروا بالرمز ، حتى لا ترى من افكارهم الا تأويلاتك التي تعتصر النص لتخرج الملح منه ، وربما استفرغوا وجدانهم ليكتبوا من مائها نصا لفلسطين او العراق، او لربما سار بهم الركب الى التاريخ تورية وتعمية اخرى. (2) لا يستطيع الانسان منا ان يبقي نفسه بمنأى عن ما يجري حوله في هذا العالم ، فتلك الصور المتدفقة عبر وسائل الاعلام تجعلنا نشعر بأنا على خط تماس مع كل الاحداث التي نطالعها ، فنتفاعل وننفعل ، ونبدأ في تأسيس موقف منها. هذا الفيضان الاعلامي الذي يلاحقنا يجعل من العالم مشهدا عريضا للفرجة الملونة بألون الاحداث ..من الرياضة الى السياسة مرورا بالفن وحتى الاقتصاد.
تعترضك على الدوام نشرة الاخبار ، فكأنها صندوق الدنيا ، حيث آخر اخبار الود والخصام بين ابناء الكرة الارضية وما بينها من صفحات دماء تسيل او هناك باعتبارها جزء من مسلسل تعارض المصالح ، وتباين النوايا بين الناس والامم ، تتبعها اخبار الكرة ، فاحوال الطقس التي يختتم بها عادة الفصل الاخباري. (3) نحن واقعون اذن تحت تأثير تلك الصور التي تدعي نقلها للواقع ، وتصويرها للحقائق ، فيما هي صناعة تتضمن فبركة ومعالجة لهذا المشهد الذي سيستحيل في حال التلقي الى حقائق معاد تصنيعها ، يتم ادراكها وفق الصيغ المقترحة في هذا النسق الاعلامي او ذاك. يعاد توزيع اهتماماتنا وتدوير اسئلتنا الخاصة بازرار القنوات التلفزيونية ، ثمة زحزحة لمركز الاحداث ، وازاحة مستمرة باتجاه نظرة هذه القناة او تلك الى الحدث المنقول، فيما المتلقي الذي يحترق بلهيب الصورة ويبتهج بها على السواء يمارس اختيار موقعه من هذا الطقس الاتصالي الذي يحمله على تكييف انفعالاته عبر المقايسات المستمرة التي يجريها على مشهده الخاص ومشهد العالم من حوله ، مكتشفا تلك النسبية المختبئة في حدود الألم عنده ، حيث يبدو معه انه اسعد حظا بالطبع من جاره العراقي الذي لا يأمن على حياته من السيارات المفخخة واخطاء الاحتلال وقسوة العيش.
(4) لعل هذا ما يصرف المسرحيين السعوديين عن كتابة آلامهم والاقتراب من تداعيات المشهد السياسي والثقافي والاقتصادي في حدودها المحلية ، فهم لا يطالعون همهم في المرآة الاعلامية بمقدار ما يطالعون اليوم من سيرة الدم العراقي الذي يباع بأرخص الاثمان هناك. قضايانا الاهم محليا تبدو فاصلا اعلانيا لمشهد كوني لا يكف عن اشباعنا بالوان الانفعالات التي تجعل الواحد منا مأخذوا بلحظة ضحك مشدودة الى أخرى حزينة ضمن شريط من الصور لا يتوقف. أولعله الخوف الذي يصرفهم عن انماء حسهم النقدي تجاه مختلف الظواهر، الخوف من الرقيب ان يحجب عنهم النور ، والخوف من مساءلة السلطة على اختلاف الوانها، ومن هروب المؤسسات الثقافية عن التواصل مع انتاجهم ، ووو...
ربما... 
كل شيء من ذكريات هذا الشارع قد عبر مع حبيبات الإسفلت الى الأرشيف ، حيث أسلمت الذاكرة أمرها الى تواقيع الحفارات، وما تبقى من البنيان المتآكل في ضياع المدينة. بإنقطاع المد والجز عن هذه الارصفة إنحسر وجه المكان، وتبدد عبق العائدين بحلم القواقع مع آخر النوارس التي حملها الغيم باتجاه أزرق مستحيل، لم يعد للناس أرصفة تحمل أنفاسهم ، ضحكاتهم، حتى الرصيف تلاشى في التصاق المباني، وانكماش الدروب التي يسري بها الضوء الى كل النوافذ. باب هذا المقهى القديم وحده ظل مفتوحاً يلوح للعابرين بخيوط الذكريات، يطرز في ابتهاج النهار قميصًا لهذا الرصيف الذي عليه غبار الوطن، وبقايا الحنين لحكايا النخيل. الذين تواعدوا لاقتسام الرصيف ، تركوا غيمة من الهم والحزن للذين شاخت بهم مرايا الطريق، فكانوا رماداً لاحتراق النخيل، وعقداً من الورد تأخر طويلاً عن عناق الندى. كانوا هناك... أثير السادة 




لا ينبغي أن نختلف كثيرا في إثبات حضور التقنية في تحولات الصورة الفوتوغرافية وان اختلف البعض في تحديد مساحة الآلي والإنساني في ما يمكن إدراجه من عناصر مؤثرة في مسيرة الصورة ، فإحساس الإنسان قد تغير كثيرا بالعالم المحيط حوله مع الكاميرا، بل بات كمن يبصر بعين ثالثة ، هذه العين التي تملك قابلية التماس مع لحظات لم تكن حتى ضمن متخيل الإنسان فضلا عن مجال إبصاره. التصوير فائق السرعة هو أحد الشواهد على فعل التقنية في الممارسات الجمالية ، على هذا الفتح البصري الذي يرتهن إلى ذكاء الآلة وتعدد مظاهرها في إدراك حركة الأشياء ضمن الجزئيات الدقيقة من الثانية الواحدة، حيث أصبح بالإمكان حبس رصاصة منطلقة في إطار صورة ، ورصد سلوك قطرة ماء في لحظة سقوطها ، وما إلى ذلك من اللحظات غير المدركة بالعين المجردة لسرعة حدوثها و تلاشيها. هذه التجارب اللافتة هي بمثابة الشاهد على المسافة التي خطتها الصورة الفوتوغرافية على مستوى علاقة بالزمن ، في محاولة لتفتيت هذه الوحدة الصغير من الزمن واكتشاف حياة الأشياء فيها ، الأمر الذي يحيل الصورة إلى معرفة جديدة لها موقعها المهم ضمن حدود الدرس والبحث العلمي. مايجذب المصورين إلى هذه التجارب اليوم هو قدرتها على تحويل تلك اللحظات من جزئيات الثانية إلى تكوينات جمالية مأخوذة بمتعة الاكتشاف لتلك التفاصيل التي لا تدرك بالإبصار المباشر ، والتعرف على منطق الحركة في عبورها السريع ضمن وحدة الزمن. أثير السادة * ينشر بالتزامن مع مجلة الزاوية، العدد الثالث - السعودية 
تتعدد المعارض الفوتوغرافية في دول الخليج هذه الايام، في إشارة واضحة على اتساع دائرة المشتغلين على صناعة الصورة من جهة، وازدياد حضورها في الفضاء الاجتماعي الذي ما انقطع عن التحسس من افعال الكاميرا، وفرض القيود على أنماط سلوكها من جهة أخرى. سنقرأ في الصحف عن معرض قادم ليوم الدوخلة في سنابس، ومعرض لجماعة التصوير الضوئي بالقطيف، ومعرض دولي للصورة الصحفية في مسقط، ومعرض بجامعة عجمان، وكلها تحتفي بمنتوج الصور الذي أخذ يتدفق بكثافة إلى مشهدنا الفوتوغرافي، ضمن سياق غير منفصل عن المشهد الكوني الذي تبدو فيه الصورة بكافة تجلياتها الوجه الأبرز للصناعة الثقافية الحديثة. هذه العلاقة الجديدة مع الكاميرا التي أسس لها جيل الكاميرات الرقمية جعلت من هذه الممارسة أكثر التصاقا بالحياة اليومية وموضوعاتها، وأكثر قدرة على اقتحام فضاءات الفرد الذي يجهد في توصيف ذاته وانشغالاتها عبر الصور التي تراهن على قدرتها على التمثيل. متغيرات كثيرة لحقت بهذا المشهد الفوتوغرافي، باتت تلك الصفة النخبوية لهذا الفن جزء من ذاكرة التصوير، نخبوية فرضتها التكلفة العالية للكاميرات التقليدية وملحقاتها، وحزمة الأسرار الفنية التي لم تكن متاحة للجميع كما هو الحال اليوم، والايقاع البطئ وكلفة المغامرة في انتاج الصورة..كلها مسائل تم تجاوزها بفعل التقنية وتسارع تحولاتها، الأمر الذي جعل من الكاميرا متمماً لاكسسورات الفرد في مجتمعاتنا، فبات التصوير يأخذ طابع الفن الشعبي، فن الناس الذين سيمنحون الصورة شروط حياتها. إنه الزمن الذي بات طيعاً، مرناً في علاقته وأصابع الممارسين الذين يملكون اختطاف الضوء تلو الضوء، ومحو المسافة بين الصور للوصول إلى المقترح الجمالي المطلوب، فزمن ولادة الصورة مطابق لزمن انتاجاها، على خلاف الكاميرات التقليدية التي تعمل وفق ذلك التقسيم القهري بين زمن التقاط الصورة وزمن انتاجها في الغرف المظلمة. خروج الصورة من الغرف المظلمة كان بمثابة الإعلان عن دخول الكثيرين إلى ساحة الضوء، وولادة تجارب فنية في سياق زمني قياسي، بعضها لم تكمل عامها الأول حتى بدأت الاعلان عن تشوفاتها في معارض شخصية وأخرى جماعية، تحمل في ثناياها تناقضات المحاولات الأولى، دون ان تخلو من التماعات في بنائها الفني، والقدرة على الإفادة من إمكانات الكاميرا الرقمية. غير أن هذه الوفرة من المعارض والتجارب لا تحمل في الغالب إشارات جادة على تحولات جوهرية في وعي الصورة، او انزياحات جمالية باتجاه اختبار الصورة في وجهها الثقافي، حيث الغلبة الدائمة للأسئلة الشكلانية التي تؤسس لقيمة الصورة في المشهد الفوتوغرافي عندنا، بمعنى الاستغراق في شروط الصورة الفنية باعتبارها القيمة الابداعية التي يجهد المصور لإتيانها والترويج لها. ستكرس تلك التجارب جهدها لمطاولة موضوعاتها التقليدية التي لن تخرج عن إطار الاحتفاء بوجوه الاطفال، وحياة الطبيعة، ومنتجات الأستوديو، بأقل قلق جمالي، ما يفقد التجارب قابليتها على تصعيد الجدل الجمالي والمعرفي، أو التماس مع ارهاصات التجارب الأحدث التي تنشغل في مساءلة حضور الصورة وقدرتها على التمثيل باعتبارها وسيطاً للتعبير. قليلة جداً هي التجارب التي تستبطن رغبة في الإختلاف، في الخروج عن نمطية العرض، ونمطية الموضوعات في اشتغالها الفني . لن نجد ما يوحي غالبا بانهمام المصور الفوتوغرافي بالتحرر من ذلك الحس المدرسي الذي يفترض علاقة امتثالية بين المصور وقواعد التصوير وأسالبيه بمثل ما تروج لها دورات التصوير، والمنتديات الالكترونية. والحاصل أنه هنالك امتداد أفقي في اتجاهات التصوير المحلية والخليجية، تعبر عنه المنتديات والمعارض والمسابقات، يستوجب امتداداً مماثلاً باتجاه العمق لتحريك العناصر الساكنة في بنية هذا المشهد الفني ، من أجل اجتراح حساسية جديدة تستقرئ تحولات الصورة الفوتوغرافية، وتعاود اختبار فاعليتها في صناعة الثقافة البصرية. أثير السادة * ينشر المقال بالتزامن مع مجلة فوتوجرافيك - العدد السادس، دولة الكويت 

في أكتوبر الماضي أعلنت الشارقة عن ولادة الهيئة العربية للمسرح بمبادرة من حاكمها الشيخ سلطان القاسمي، وهي بحسب الوصف منظمة غير حكومية معنية بدعم مسيرة المسرح العربي، وتتخذ من القاهرة مقرا رئيسا لها، ومن الشارقة مقرا دائما لأمانتها العامة. وجاءت اللجنة التأسيسية تحمل عددا من الأسماء المسرحية المألوفة عربيا على مستوى النقد و التنظير، وعلى مستوى الإخراج والتمثيل، فيما كانت الحصة الأكبر لأهل المبادرة من الإماراتيين ومن شاركهم من العرب المقيمين. لم يحضر كل العرب في هذه اللجنة، فهي لجنة مختصة بمهام مقدرة وليست مجلسا تمثيليا، إلا أن الهيئة كما يظهر في البيان التأسيسي مشغولة بالمسرح العربي من أقصاه إلى أقصاه، من المشرق إلى المغرب، مشغولة بصياغة رؤية شاملة تبث الحياة في جسد المسرح العربي، وتدفع به بعيدا عن بيروقراطية الأجهزة الرسمية. والسعوديون الذين إذا لم يسعفهم التاريخ في شيء راحوا يستعينون بالجغرافيا أرسلوا من خلال الصحافة برقيات عتب شديدة اللهجة للهيئة والجهة الراعية لها بعيد الإعلان عن تأسيسها، تحت يافطة "نستنكر" وَ "نحتج" ..وفيها يستنكرون الإقصاء، وخذلان الأصدقاء، وضعف الأسماء التي جاءت ضمن اللجنة التأسيسية للهيئة، حتى بات سؤالهم المشترك لماذا نحن غائبون. ولأنها واجهة المشهد المسرحي العربي كما يقولون، سينطلق المسرحيون السعوديون للتأكيد على أنهم شركاء في العروبة، وبالتالي شركاء في كل متر مسرحي عربي، وسيدعون الرفاق في الإمارات إلى اعتماد مبدأ المحاصصة، على طريقة لا غالب ولا مغلوب، حتى لا يخرجوا من المولد بلا حمص جهارا ظهارا. هؤلاء المشغولون بسؤال هل نحن غائبون بالقوة أم بالفعل لا يكفي ان تشير اليهم ببداهة الأمر، في قبال ترهل مؤسسات المسرح السعودية وشحوب لونها، وهذا الضجيج الذي صاحب التغييرات الإدارية في أجهزة الثقافة وانتهى إلى توصيات باردة في ملتقى المثقفين ومثلها في اجتماعات الاستراتيجية الوطنية للتنمية الثقافية التي لم تفد مرافعات المسرحيين الطويلة طيلة السنوات الماضية سوى في إعادة إنتاج الجملة الكلاسيكية، وهي "ضرورة تشجيع المسرح". أقول لا يكفي هذا لأن جوهر المشكلة لا صلة له بخروج الهيئة من مختبرات الشارقة دون ختم سعودي على جواز العبور، فوصفات النهوض المسرحي يعاد تكرارها في كل محفل وملتقى مسرحي عربي، وكانت أدراج وزارات الثقافة العربية قد عرفت في منتصف الثمانينات الخطة الشاملة للمسرح العربي التي تم إقرارها ضمن الخطة الشاملة للثقافة العربية في لقاء الوزراء المعنيين بشئون الثقافة في الدول العربية بتونس، وبعدها استمرت التوصيات تلو التوصيات داعية إلى النظر إلى الأنشطة المسرحية بعين الرأفة، وعين الدعم السخي. هي وساوس ما فتئت تطل برأسها في كل مناسبة مسرحية خليجية او عربية، لا يشفيها الماء، ولا أكل الكمأ، هي الأقاويل التي تزرع الشوك فتحصد صورا ملونة من الشعور بعقدة النقص، هناك خوف دائم من قراءة الآخر لهذا المشهد المسرحي السعودي، بل هناك قناعة تنشط كلما سنحت الفرصة مؤداها أننا واقعون تحت سطوة التبخيس، وسؤال الخصوصية الذي يحيل كل عمل مسرحي في ذهن الآخر إلى مجرد تمارين على الخروج من رقابة الحياة في السعودية. بعضها هواجس واقعية، وكثير منها مرده الإحساس ببرودة الهامش الذي يحيا فيه المسرحيون السعوديون، فهذا الوطن الذي ضربوا كفا على كف حسرة على جلوسه في المدرجات ساعة التنظير كان أول المحاصرين لهم، وآخر الشهود على ضعف لياقتهم في ملاعب التنظير، ولنا في الأوراق التي شاركت في ملتقى المثقفين الثاني بالرياض شواهد على انقطاعهم عن سياق الزمن، وسياق الثقافة، وسياق الرغبة في نفض غبار السكون. فإذا كان الأصدقاء من المسرحيين عاجزون عن ترتيب أولوياتهم، وصياغة رؤية لمشروعهم الوطني للمسرح، فما بالهم يريدون المزاحمة بالركب مع من تصدر مشروع الهيئة من ألفه إلى يائه، وهم مازالوا على عتبة الباب ينتظرون جوابا من أحد عن مشروعية وجودهم. أثير السادة
أثير السادة ليست شبكة الإنترنت ملاذا آمنا للكتابة والنشر ، او للاتصال الافتراضي بأفكار وشخوص تتراءى وتتجاور في عوالمه الشاسعة ، بل هي أكثر من ذلك ، فهي ذلك الحضور الأخّاذ الذي يعيد رسم خارطة التفاعل الانساني ، ويؤسس لادراكات جديدة متساوقة ومثيولوجيا هذه الشبكة التي تمارس ابدالا للطرق التقليدية في التلقي والتفاعل والتفكير . إنها الحياة التي تستحيل الى كولاج مفتوح على خصوبة الحرية التي تتطور بأدوات الشبكة ، وتبرز على اطرافها هوامش جديدة هي أشبه بالحياة الموازية ، حياة لها تعريفاتها المباينة للزمان والمكان واقتراحاتها الخاصة للعلاقة بين الكائن والآلة. نعرفها جميعا اليوم ، وقد نستطيع اجمالا وصفها ، لكنها غالبا لا تقبل المصالحة وهذا التبسيط الذي نمنحها اياه ، فالوقوف عند حد اغرائها لا يكفي للخروج بإشارات دقيقة لآلية اشتغالها وفعلها في بنية الثقافة الانسانية ما لم نمتلك القدرة على استكناه مواضع تفردها ، ومظاهر امتيازها في سياق التاريخ الذي يحدث فيها وبها. هذه الوفرة من الازرار والاوامر التي تصوغ اتجاهات الحركة في الشبكة هي المفاتيح لتلك الميادين الفسيحة من المعرفة التي لا نعرف حقيقة تأثرها واتصالها بقوانين الشبكة ما لم نضاعف الجهد في اختبار تجانسها وشروط الفضاء الجديد وامكاناته الهائلة ، وهو الجهد الذي نجد له مثالا في اصدار "الانترنت بوصفها نصا" للمسرحي والشاعر البحريني خالد الرويعي. يبحث الرويعي بجد عن حياة الانترنت واشيائها ، عن المفاهيم المتولدة من استخدام هذا التكوين المربوط بآخر ثورات المعلومات والاتصالات والتكنولوجيا ، عن الاسئلة الاحدث حول انماط النشر والكتابة والقراءة التي افرزتها شروط الممارسة الثقافية الجديدة ضمن افتراضات الشبكة وتشابكاتها. حصار الآلة يذكرنا بداية بحصار الآلة للانسان والذي تعززه اليوم تكنولوجيا المعلومات بحيث بات السلوك الانساني مدفوعا ناحية التطبع باطباع الآلة وشروطها ، فقوانين الاتصال المعلوماتي الحديثة هي ضابطة ومكيفة لحركة الزمن ، بل هي قادرة على انتاج زمنها الخاص الذي يغاير مفهوم الزمن الواقعي ، فالزمن داخل الشبكة بحسب الرويعي متفلت ، متحول ومتغير، وَ "لا يمكن حصره بمفاهيم ثابتة" ، زمن لا يطابق ماضيه او حاضره او مستقبله صورة ما يماثله في خارج الشبكة ، زمن مرتبط بحركة المعلومة وتداولها ، وسرعة الخوادم والسيرفرات والاجهزة ، وقبل ذلك بقوانين وجودها ضمن فضاء يبدو فيه الحاضر ماضيا لمستخدم الشبكة والماضي حاضرا لغيره على حد وصف الرويعي. هذا الجدل بين زمن الواقع وزمن الشبكة يقابله جدل الحضور والغياب للمستخدمين ، او ما يصفه الرويعي بفصامية الكائن الواقع بين الزمنين ، والتي يراها شرطا ضمن اشتراطات اللعب في هذه الشبكة ، مثيرا سؤالا حول هوية هذا الكائن في "الزمن الافتراضي" ، وهو السؤال الذي سيغدو كثيف الحضور ضمن تحديات أخرى تفرضها العلاقة بين الثقافة المنتجة لهذه التكنولوجيا والأخرى المستهلكة ، كما في نموذج اللغة المعتمدة في استخدامات الشبكة واصطلاحاتها. يرصد الرويعي صورا من هذه المواجهة المبكرة بين لغة التكنولوجيا ومستخدمي اللغة العربية بوصفها ردود أفعال لما يحسب على تحديات الهوية ، كـ"تطويع الرسم الحرفي للغة الانجليزية وجعله في متناول الشكل الحرفي للقراءة العربية" ،ومحاولات التعريب المتعثرة او غير المنتجة لبعض الاصطلاحات والمفردات المتصلة بالشبكة والتي تجهد لاثبات وجودها اللغوي دون ان يتحقق لها الكثير من ذلك ، لاعتبارات يحصرها الرويعي في غيابنا عن انتاج الثقافة الالكترونية. هوية الشبكة للشبكة هويتها ، كينونتها الخاصة ، وهذا ما يحمل الرويعي على اختبار عدد من المواقع الالكترونية على الشبكة بحثا عن المائز بين النص المنتج الكترونيا ومثيله من النصوص الأخرى المكتوبة على الورق ، فالتكنولوجيا بنحو او بآخر تضفي عبر اقتراحاتها ابعادا جديدة لهذا النص ، وتبعث على ولادة تصورات جديدة لانماط تلقيه. لا علاقة بين النشر الالكتروني وهيئة الكتاب..هكذا يقرر الرويعي وهو يدقق في "عقلية الكتاب" التي تطوق آفاق العمل في كثير من المواقع الالكترونية على الشبكة .. كثيرة هي المواقع التي مازالت اسيرة لاشكال النشر التقليدية ومعطياتها الامر الذي يعطل فيها القدرة على الافادة من امكانيات النص الالكتروني الذي هو في طبيعته بحسب الرويعي "مجزأ ومتعدد الوسائط ولا ينتهي أبدا" على خلاف النص الورقي الذي يبدو في صورته الناجزة ، اضافة الى كون الاول يتيح مزيجا من اشكال العرض البصري والسمعي والكتابي. من هذا المستوى يقرأ الرويعي المواقع الالكترونية بوصفها نصا له امتيازاته الفنية ، فيمضي لمقاربة موقع الفنان النمساوي جوستاف كلميت من جهة التصميم وتوظيف اللوحات والالوان مكتشفا دقة التعامل مع تفاصيل اللون والاحجام وتوزيع المفردات في سياق بناء الصفحات التي تتعاقب وفق رؤية تصميمة واضحة تتقصد التوكيد على التأثيرات الالكترونية في صياغة المادة المعروضة. في المقابل نطالع "جهة الشعر" ، النموذج العربي لاشكال المواقع الادبية البارزة ، فيه يحاول الشاعر البحريني قاسم حداد استثمار ذخيرته الادبية لتدشين تجربة الكترونية ناضجة ، ينتخب فيها بكثير من البراعة عددا من الجمل كثيفة الدلالة كتبويبات لهذا الموقع ، ليربطها بموضوعات الموقع وارتباطاته المتشعبة ، من قبيل : "دس بنعلك" ، وَ "علاج المسافة" ، وَ " خذ الكتاب بقوة" ، في حين سقط الشكل الفني في مفارقات لونية على ما يروي الرويعي ، وبدت فيه توظيف اللوحات الفنية ضعيفا في بعض المواضع ، وغير ذي اتصال بالعناوين المقترحة في مواضع أخرى ، دون ان ينسى الاشارة الى وجود تحديث مستمر ومعالجة لهذه الاشكالات الفنية تندرج ضمن خصوصيات النشر الالكتروني. شهادات المبدعين شهادات متفرقة لمبدعين عرب يجمعها الرويعي في ختام اصداره ، يطاولون فيها احلامهم الالكترونية ، ويعرضون لهواجس النشر الجديدة والتي يبدؤها الشاعر قاسم حداد بالتركيز على فعل المبالغة الذي يسكن لغة المنشغلين العرب بهذا الموضوع حين توصيفهم لعلاقة الانسان بالآلة واصرارهم على فرادة الكتابة الورقية وهو ما يوافقه عليه الروائي نهاد سيريس والقاص جمال الخياط في شهادتهما ، بينما يقف الروائي ابراهيم نصر الله على الطرف الآخر وهو ينذر بتحول "الانسان تدريجيا الى آلة امام الآلة" في اشارته الى النهاية المرتقبة للتواصل عبر الانترنت رغم اقراره بالفتوحات العظيمة لهذا الفضاء المعرفي الجديد ، ويماثله المسرحي عبدالله السعدوي الذي يعلن حتمية المواجهة مع الآلة والتقنية ، وهو يستقرئ الابدال في المواقع بين الانسان والآلة ، مشككا في قيمة هذا الاتصال والتفاعل الذي تبشر به الانترنت ، فالانسان برأيه اصبح كائنا اتصاليا "لكن لا يعني بالضرورة انه كائن تواصلي". لا فكاك من الاعتراف بأن الانترنت اسست لظواهر كتابية وقرائية ، وممارسات ثقافية جديدة مازال الكثير منها خارج دوائر الرصد والنقد عربيا ، ومازالت الممارسة الالكترونية العربية تحتاج الكثير لتحقق جدارتها في تمثل روح النص الالكتروني الجديد الذي يتمدد بلا ضوابط في فضاء مفتوح باتساع الأفق.








